"(…) ميشال عون كان له دور اساسي في اتفاق الدوحة. والمعروف ان العماد ميشال عون وافق وكان أساساً في الموافقة على ما حصل في اتفاق الدوحة وفي مقدمه انتخاب الرئيس ميشال سليمان. وليست حالة سائدة في السياسة اللبنانية، أن يتخلى شخص عن مصالحه الشخصية خدمة للمصلحة الوطنية. فعلينا ان نقدّر دور العماد ميشال عون في اتفاق الدوحة. فهو قام بشيء وطني ولولاه لما مر اتفاق الدوحة، وعلينا أن نقر بهذا الشيء".
بشار الاسد
(في حوار مع "السفير" نشر في 25 آذار 2009)
يتساءل لبنانيون كثيرون ماذا سيتغير في الرئيس المكلف سعد الحريري تأليف الحكومة الجديدة، بين التكليف الاول والتكليف الثاني؟
وهل يمكن أن يكون الحريري تغيّر، أو حلّ عليه روح الرحمن بعد صيام رمضان والتأمل الذي يفترض أن يكون رافقه دون أن يؤدي الى حل يخرج لبنان من الازمة التي يتخبط فيها منذ قرابة شهرين ونصف شهر، أي منذ اعلان نتائج الانتخابات ليل 7- 8 حزيران الماضي، ومد الرئيس المكلف يده الى المعارضة التي خاضت معركة لم يعرف لبنان لها مثيلاً لم توفر الاكثرية فيها سلاحاً الا واستعملته من أجل كسر المعارضة ومنعها من الفوز بالاكثرية نظراً الى ما لهذا الامر من انعكاسات خارجية أطلت برأسها قبل يوم الانتخاب باشكال مختلفة أبرزها امكان مقاطعة الحكم الذي سينبثق عن فوز المعارضة، وصولاً الى البحث في امكان قطع المساعدات عنه، فضلاً عن اعتماد الإثارة الطائفية والمذهبية واقحام رجال الدين صراحة وعلناً ضد أفرقاء في المعارضة، وخصوصاً في الوسط المسيحي، الامر الذي كانت له تداعيات سلبية على بعض المراجع الدينية المسيحية فعرضها لانتقادات علنية اضطرت الى الرد عليها، خلافاً للعادات والتقاليد التي سارت عليها الكنيسة منذ تأسيسها؟
وقد يقال ان الحريري لم يتغير لأن له شخصية واحدة وكان يعرف منذ البداية ما يريد، إلا انه كان يجهل ما يريده الطرف الآخر بالتفاصيل. وانه ربما تعجل في اجراء الاستشارات ولم يحسن الاصغاء الى الكتل المعارضة محاولاً ايجاد قواسم مشتركة معها لا بد منها اذا كان المطلوب حقاً تأليف حكومة شراكة وطنية أو تآلف وطني، وهو الامر الذي يفرض اقصى درجات التقارب في كل شيء، في الثقة، والانفتاح، والاصغاء وصولاً الى التنازل المتبادل.
ولم يستبعد بعض المراقبين أن يكون صيام رمضان والعمرة التي أداها الرئيس المكلف أن يكونا قد فتحا ذهنه وقلبه على أمور لم تخطر في باله قبلاً، وربما وردت على ذهنه عندما استذكر المراحل الصعبة التي مر بها والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والتي ربما رواها له الاصدقاء والخلان والمريدون، وفي مقدمهم النائب السابق باسم السبع الذي كان المعبّر الأوضح عما يعانيه الحريري وينشده سواء في صراعه مع نظام الوصاية السوري أو مع الحكم المشترك السوري – اللبناني الذي وضع على رأسه العماد اميل لحود، وقد وصف الرئيس السوري بشار الاسد هذا الفريق (في حديث أدلى به الى السفير، ونشر في 25/3/2009) بأنه "طرف ربط نفسه بسوريا ربطاً مصلحياً وليس ربطاً ميدانياً. إذ لم يرتبط بسوريا عبر الوطنية اللبنانية، انما عبر مصالحه الضيقة. لذلك يتحمل هذا الفريق المسؤولية عما حصل، وأفسد العلاقات بين سوريا ولبنان".
ويقول أحد السياسيين أن الصوم والصلاة غالباً ما يربطان الانسان بخالقه، فيعود الى نفسه. يحاسبها، مراجعاً ما فعل، ونادماً على ما أخطأ وطالباً الصفح عليه، وباسطاً يديه للتعاون على أسس أوحتها له فترة الصيام والصلاة. ولو لم تكن الفريضة ضرورية تجاه المؤمنين لما ألزمهم الله بها.
ويروي هذا السياسي، تأكيداً لما يقول انه كان مرة في رحلة سياحية في إحدى دول المغرب العربي، وفيما هو يتجول في إحدى الاسواق الشعبية، يرافقه دليل من أهل البلاد، استوقفته أنواع من المطرزات لا مثيل لها في لبنان ففكر في شراء مجموعة منها لاهدائها الى أصدقائه وصديقاته. وإذ شرع في المفاصلة، والسؤال عن الاسعار، أسرّ المرافق في أذنه بألا يتسرع في قبول الأسعار التي تعرض عليه، واذا اضطر الى ذلك فليكسرها مبدياً استعداده لدفع خمسين في المئة منها.
وما هي الا لحظات حتى بادر البائع زبائنه بالاعتذار عن عدم اكمال البيع بسبب حلول أوان صلاة العصر. واستمهلهم لانتظاره واكمال العملية بعد الصلاة. فوافقوا… وانتظروه حتى عاد قائلا: "وين كنا؟" فأجابه احدهم "كنا نجادلك في الاسعار قبل الصلاة، والآن فقد تغيّر الوضع بعد الصلاة، اذ يفترض ان تخاف ربك ولا تبيع الا بالسعر الحلال، وإلا تكون صلاتك غير مستجابة". وهكذا كان، فاستجاب التاجر للزبائن، وباعهم بـ"السعر الحلال"!
صحيح ان الحريري أقر مساء التكليف الثاني بأنه سيأخذ بالمشاورات الجديدة و"خيارات الناس وعقولهم" التي تجاهلها في التكليف الاول، و"يوسع نطاق التشاور" و"نستشير ونتكلم مع الجميع، لكي لا يقول احد اننا لم نتكلم معه". والمعنى هنا معروف وهو "بقلب الشاعر"! كذلك وعد بعدم الاستعجال او التسرع، وسيكون باله "طويلا جدا واطول من المرة السابقة وسيدع يديه وايدي كتاب الخطب الذين "ادخلوه في الزجاج"، كما يقال مع الرئيس نبيه بري في مياه باردة. وكان رئيس المجلس قد صفح عما اصابه من الحريري الشاب لمناسبة الشهر الفضيل، وعاود العمل مع النائب وليد جنبلاط لتذليل الصعاب وازالة العقبات التي تعرقل التأليف.
في نهاية الامر لا يستطيع سعد الحريري الا ان يكون ابن ابيه الشهيد رفيق الحريري الذي قيل الكثير عن صبره على الشدائد، وخصوصا عندما كان يواجه قوى هائلة خارجية وداخلية، وكان يقول "لا حل لدي سوى الصبر"، وعندما سئل: "هل صحيح انك تبلع فيلة هذه الايام؟" كان جوابه: "اصبروا فان الله مع الصابرين".
وثمة من يسأل هل يحتاج "الانفتاح على الافكار والعمل لارساء قواعد سليمة لحوار منطقي ومسؤول" يعبّر عن "ارادة العيش المشترك بين اللبنانيين – هل يحتاج الى جعل فترة الاستشارات اللازمة للتأليف والتي ستجري في مجلس النواب وتمتد من اليوم حتى الثلثاء المقبل، ام ان التأليف سينطلق هذه المرة مع الاستشارات، وان الرئيس المكلف سينتظر عودة الرئيس ميشال سليمان من الامم المتحدة ليجلسا معاً ويباشرا جوجلة الاسماء وتركيب اللوائح، لأن الظروف باتت ضاغطة في الداخل وكذلك في الخارج بعد التهديدات الاسرائيلية وكذلك التهديدات الارهابية، والشبكات الاصولية التي قيل انها تعمل في المخيمات والتي كانت وراء الصواريخ المشبوهة على اسرائيل من "القاعدة" الى "فتح الاسلام" و"جند الشام" وسواها. والتي لم تكتم دمشق المتهمة بتصدير الارهاب الى العراق، تخوفها من ان تمتد اخطار تلك الشبكات الى اراضيها. تضاف اليها الشبكات الاسرائيلية التي لم تقصر السلطة في كشف عدد كبير منها. واذا كان للرئيس المكلف والمستشارين المحيطين به ان يبدلوا في النظر الى التأليف، ففي مقاربة الشراكة الوطنية، من زاوية "اقحام" المعارضة في المسؤولية عن القرارات والافعال من طريق منحها الحقائب التي ترى نفسها قادرة على الانتاج فيها، اكثر من حرمانها حقائب موضوعة في خانة محجوزة لسواها في الاكثرية لاعتبارات سياسية محلية واقليمية، وطائفية ومذهبية وحتى مناطقية. وهناك مثال اميركي يقول ان الذي يفوز في مباراة تناول قطع الحلوى المصنوعة من التفاح بتناول اكبر عدد منها يُعطى المزيد منها وليس القليل. وهذا الامر يطبق في ادارة الشركات، فان الموظف النشيط والناجح يعطى مزيدا من الاعمال والمهمات على اساس "لا انجح من النجاح".
لذلك ربما كان المطلوب من رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري ان يفيد من الايام الخمسة للاستشارات من اجل قلب القاعدة، وعرض المزيد من الحقائب او الحقائب الصعبة والمعقدة على المعارضة لاختبار قدرتها على تحقيق الانجازات سواء في المال او الداخلية او الطاقة والماء والكهرباء وحتى الاقتصاد و"خليها تفرجينا شو عندها"، فضلا عن مصارحة الرئيس المكلف رئيس الجمهورية بأن تكراره القول ان "تقديم صورة حضارية عن نظامنا الديموقراطي البرلماني" يقضي باحترام الدستور، وان منحه حقائب في الحكومة، سواء أكانت ثلاثاً او اربعاً، مخالف للدستور، ايا تكن اعتبارات "تهريب" الحقائب في اتجاه الرئيس في اطار "تعطيل" الثلث المعطل الذي طالما طالبت به المعارضة، ونالته بموجب اتفاق الدوحة.
كذلك مطلوب من الحريري ان يقرأ بتمعن تقرير البعثة الأوروبية لمراقبة الانتخابات والتوصيات التي خرجت بها والتي لو كانت مطبّقة في الانتخابات الاخيرة، لما كان لبنان واجه مأزق تأليف الحكومة، ولكانت النسبية واقتراع المغتربين حيث هم بدل اقتراع من جرت "رشوتهم" للحضور وكلف احضارهم الى لبنان بعشرات الالوف مبالغ تجاوزت مئات ملايين الدولارات ولكانت الانتخابات انتجت اكثرية مركبة غير مذهبية وغير طائفية.
فهل يطوّل الحريري باله هذه المرة، وهو يخاطب عقول الناس لا عواطفهم وغرائزهم، لتكون الثانية ثابتة… وليكون "الله دائما وليّ التدبير" على ما قال في كتاب قبول التكليف الثاني؟
ادمون صعب
((براغ))
edmond.saab@annahar.com.lb







