نجح الرئيس باراك أوباما في تحقيق انجاز واحد حتى الآن يتعلق بقضية الصراع العربي – الاسرائيلي.
فبعد سنوات، بل عقود طويلة من السجالات الاميركية – العربية والعربية – العربية والاميركية – الاميركية حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة واسرائيل، كان علينا – بل على الجميع – انتظار مجيء عهد الرئيس أوباما حاملاً شعاره الحاسم بالدعوة الى وقف الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية لكي يظهر بأن اسرائيل لم تعد مشكلة للعرب وحدهم بل للعرب ولاميركا معاً.
هذا "انجاز" لباراك أوباما في منطقة الشرق الأوسط قد يُعيّب عليه كثيرون، خصوصاً الراديكاليين العرب والمسلمين، انه غير عملي لأنه من المرجح أن لا يؤدي الى أي حلّ نهائي للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي.
باراك أوباما أعلن في خطابه قبل ثلاثة ايام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أنه "ليس ساذجاً"، وجاء ذلك تحديداً في مطلع إحدى الفقرات المتعلقة بالوضع بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
لكي يستدرك الرئيس أوباما بهذه الطريقة الشخصية هذا يعني انه يضطر للدفاع عن سياسته بطريقة شخصية بسبب كثرة ما سيكون قد سمع في الأشهر التي مرّت على توليه الرئاسة من تحذيرات بأن هدفه بتحقيق تسوية نهائية للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي سيتبدد أمام تعقيد الوضع في الشرق الأوسط وتحديداً في اسرائيل بما سيحوله الى… ليس أكثر من رئيس أميركي آخر فشل في انهاء هذا الصراع.
الذي كان على الرئيس أوباما أن يعالجه في خطابه الأخير ليس تهمة "السذاجة"… غير المطروحة أصلاً حيال شخص مثل باراك أوباما لا زال يثير إعجاب العالم بذكائه الحاد… وإنما كان عليه أن يتحدث عن معضلة – تهمة أخرى هي المطروحة: العجز.
إذن العجز لا السذاجة. العجز الأميركي عن تأمين الضغط الكافي لتحقيق الحلّ النهائي لهذا الصراع.
كل هذا لا يخفّف أهمية الفرصة التاريخية التي منحها موقف أوباما بالدعوة الدؤوبة لتجميد الاستيطان الاسرائيلي. إنه انجاز غير عملي: صحيح… لكنه انجاز في الثقافة السياسية للصراع في المنطقة وللعلاقات الدولية. فشعار تجميد الاستيطان هو شعار ذو مضمون ملموس بحيث لا يمكن لاسرائيل ان تتحايل عليه دون ان يظهر انها رفضته. بهذا المعنى أنه أكثر جوهرية حتى من شعار "حل الدولتين".
صحيح أن شعار "حلّ الدولتين" هو حصيلة عقود من تبلور مواقف دولية وعربية وفلسطينية، بل هو بصورة خاصة على المستوى الفلسطيني، حصيلة نضال مبرمج لجيل كامل من الحركة الوطنية الفلسطينية بعد العام 1967، تحققت نواته الأولى في "اتفاق أوسلو" عبر قيام "السلطة الوطنية". فبدون "أوسلو" لم يكن ممكناً تصور اي عودة الى الداخل الفلسطيني وقيام مؤسسات سياسية في غزة والقطاع… إنه اتفاق بدء الإياب الفلسطيني بعد سنوات الاقتلاع التي تلت عام 1948، والذي نجحت اسرائيل دائماً في تمييع حدود تطبيقه وبصوة خاصة في منع الانتقال الى ما يسمى "قضايا الحلّ النهائي". لكن هنا لم تنكشف السياسة الاسرائيلية رغم كل ما فعلته وظل بامكان الاوروبيين والاميركيين ان يتهموا التطرف الفلسطيني بمنع الحل.
أما في مواجهة شعار "تجميد الاستيطان" فمسؤولية اسرائيل "صافية"… بل واضحة ولا يمكن لها أن تخلق أي التباس حول مسؤوليتها الوحيدة. فهذا الاستيطان عمل عدواني مؤسساتي داخل جميع مناطق الضفة الغربية والقدس الشرقية المفترض انها مساحة الدولة الفلسطينية وقد بلغت اعداد المستوطنين حوالي النصف مليون مستوطن يهودي (الرقم الرسمي الاسرائيلي 479 ألفاً).
هذا سرطان يعرف العالم بكامله، ولو تجاهل ذلك طويلاً العديد من حلفاء اسرائيل، انه لا يمكن قيام دولة فلسطينية "قابلة للحياة" مع وجوده، لقد أدى هذا الوعي الغربي الفادح رغم كل التواطؤ الذي مارسته ادارة الرئيس جورج دبليو بوش الى ابتداع مصطلح "دولة قابلة للحياة" واضاف الرئيس أوباما مصطلحاً آخر استخدمه الى جانب الاول هو "اراض متصلة" في خطابه أمام الامم المتحدة.
ربما في فترة من الفترات في السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم كان شعار "حلّ الدولتين" يتساوى مع شعار "تجميد الاستيطان" بل يتقدم عليه. الآن لا شك ان شعار تجميد الاستيطان خصوصاً بعد تحوله الى رأس مواقف الولايات المتحدة الاميركية هو أكثر أهمية نوعية، بل أكثر الحاحاً من شعار الدولتين، ويكاد المراقب العربي المعني يقول انه بات بالامكان تأجيل إن لم يكن الاستغناء عن حل الدولتين، اي عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة لصالح وقف الاستيطان الاسرائيلي، تبعاً – بكل بساطة – للمعادلة التالية:
بامكان الفلسطينيين انتظار قيام دولتهم المستقلة مائة عام بل مائتي عام، لكن لا يمكن القبول بأي يوم واحد من أيام الاستيطان الجارية.
لهذا ربما يمكن القول ان شعار أوباما حول تجميد الاستيطان – على كل العجز الذي يظهر في علاقته مع اسرائيل – هو أهم "وعد" للعرب مقابل "وعد بلفور" عام 1917 لليهود.
اننا في زمن "وعد أوباما"، وهو وعد بنيوي. فتجميد الاستيطان يعني في العمق موقفاً ضد الاستيطان بكامله، بحيث انه في الثقافة السياسية للمناظرة الدولية الاسرائيلية العربية المسلمة حول الحلّ النهائي، بات فك المستوطنات واجلاء المستوطنين هو المعادل النظري لقابلية الدولة الفلسطينية على الحياة، بل لوجودها نفسه.
هذا هو "وعد أوباما" بما يمثل على رأس الولايات المتحدة والنظام العالمي. فأية استراتيجية فلسطينية جديدة مطلوبة لمواجهة أولوية شعار "تجميد الاستيطان"… على قيام الدولة؟
"وعد بلفور" لم يؤسس الاستيطان اليهودي في اسرائيل ولكنه نقله من مرحلته "الرومنطيقية" لدى الصهاينة الاوائل الى مرحلته الديناميكية الضخمة بعد الحرب العالمية الاولى.
"وعد أوباما" لن يلغي وجود كثافة استيطانية… لكن هل يمكن تحويله فلسطينياً الى ديناميكية تفكيك للاستيطان في الضفة الغربية؟
هذا هو السؤال البنيوي لكل المستقبل الفلسطيني؟
alkadaya@hotmail.com
(•) "مع كل ذلك، فأنني لست ساذجاً. انني اعلم أن ذلك سيكون صعباً…" من خطاب الرئيس الأميركي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الاربعاء المنصرم حول الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني.
"النهار"







