(عميد احتياط، رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية سابقاً)
المستقبل –
يرتبط " يوم الغفران" في ذاكرتنا التاريخية بـ"حرب يوم الغفران" ( حرب تشرين 1973)، وترتبط الحرب في ذاكرتنا التاريخية بفشل الأسرة الاستخبارية الاسرائيلية. من دون ادنى شك، كان ذلك الفشل هو الأكبر للاستخبارات الاسرائيلية. لكن الفشل في حرب يوم الغفران اوسع واعمق من الفشل الذي هو من نصيب الاستخبارات فقط. فذلك الفشل كان فشلا مطلقا للاجهزة الحكومية في اسرائيل ولغالبية النخب في المجتمع الاسرائيلي. وبما أن الامر كذلك، فان الصدمة والمفاجأة الفظيعة والاثار السياسية والامنية، (ومن ضمنها السلام مع مصر) كانت ضخمة وجذرية. فجوهر الفشل تمثل في أنه تبين لنا بأن كل تصورنا الامني كان خطأ واحدا وكبيرا. فقد اعتقدت المؤسسة الامنية ومعها المستوى السياسي كله ان السادات لن يجرؤ على شن الحرب لانه يعلم ان الجيش الاسرائيلي اقوى منه، ولذلك سيرتدع "السادات" عن الخروج للحرب. هذا الاعتقاد زُرع في أعماق شعب اسرائيل، ووقع في أسره المؤسسة الأمنية والمستوى السياسي.
جوهر تفكير القيادة الاسرائيلية في شأن الردع قام على اساس معادلة عقلانية جدا: النصر او الهزيمة. واذا كان الجانب المصري يخاف الهزيمة، ويعلم أن الجانب الاسرائيلي سينتصر، فانه لن يخرج للحرب. كان منشأ هذا الاعتقاد هو التفكير الذي ساد تلك الفترة حول توازن الردع النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. فقد تم شرح هذا التوازن على النحو البسيط التالي: سيارتان محملتان بالمواد المتفجرة تسيران بسرعة وبصورة متقابلة؛ السائقان يعلمان بيقين ان التصادم سيفضي الى تدمير مؤكد لهما، ولهذا وانطلاقا من تفكير عقلاني سيمتنع كلاهما عن التصادم.
هكذا فكرت ايضا قيادتنا الامنية ـ السياسية: نحن، الجيش الاسرائيلي، نسير في شاحنة كبيرة ومقابلنا تسير شاحنة صغيرة يوجد فيها السادات وجيش مصر الذي انهار امامنا قبل ذلك بعدة سنين؛ يعلم السادات انه اذا اصطدم بنا فسيُسحق ويُدمر ولهذا سيمتنع عن الاصطدام بنا، بالضبط كما كما سنفعل نحن الاسرائيليين لو كنا في مكانه. بكلمات اخرى، حاولنا ان نفرض على استراتيجية السادات تفكيرنا العقلاني وآمنا بالردع. فضلا عن ذلك، اعتقدنا ان الجيش الاسرائيلي قوي جدا وان قوتنا عظيمة جدا، وانه حتى لو خرج السادات للحرب بخلاف تام لمنطقنا، فسيكون في مقدورنا وقفه بواسطة الجيش النظامي فقط ومن دون الحاجة لتجنيد قوات الاحتياط. لكننا نسينا ـ وهذه هي المأساة ـ تماما عدة أشياء جوهرية لان ذلك لم يكن أصلا في اطار التفكير في "صندوقنا".
اولا، نسينا انه لا يوجد شيء اسمه خسارة فقط او نصر فقط، وان الطرفين يستطيعان الخسارة والنصر في الوقت نفسه. وثانيا نسينا اننا نستطيع ان نخطئ ايضا. لم تؤمن قيادتنا البتة بانها تستطيع ان تخطئ ولم يخطر في بال الجمهور الاسرائيلي ان من شأن قيادتنا أن تخطئ. وثالثا نسينا أن الردع يفضي الى زيادة قوة للعدو سريعا والى تغيير استراتيجيته والى أن يبحث طول الوقت عن نقط ضعفنا. ورابعا نسينا أننا مشغولون بالردع التقليدي لا الذري، وان الردع التقليدي ديناميكي وغير ساكن أبدا. ونسينا أصلا اننا اذا كررنا اننا نردع المصريين والسوريين فلا يعني ذلك اننا على حق وان العدو مرتدع حقا.
لقد انقضت 36 عاما وتعلمنا انه يمكن الخطأ، وان مصطلحي الخسارة او النصر نسبيان وانه يجب عدم الإيمان بالقيادة إيمانا أعمى. تغيرت التهديدات علينا، مثل اشياء كثيرة اخرى، لكن شيئا واحدا لم يتغير: ردع العدو لا يزال يشكل مدماكا مركزيا في تصورنا الامني، ومعها الشك الدائم العميق ـ هل سيرتدع كارهونا والى متى؟
("معاريف" 23/9/2009)







