تعتبر نقابة المحامين أم النقابات المهنية بالنظر إلى الدور الهام الذي تقوم به في حياة أي دولة سواء في كونها تشكل القضاء الواقف أي الجناح الثاني للعدالة إلى جانب القضاء جناحها الأول، أو في كون رسالتها تقوم على النبل والفروسية ومكارم الأخلاق.هذه الرسالة التي يجب أن يؤديها المحامون مهما اشتدت الظروف وساءت، ومهما تضارب تأمين لقمة العيش مع الأهداف النبيلة التي تنطوي عليها رسالة المحاماة التي يجب أن تتجسد في السلوك اليومي للمحامي. والتاريخ يحدثنا عن الدور الرائد للمحامين في بلدانهم، سواء بدفاعهم عن المظلومين، والدفاع عن حريات الناس وحقوقهم، أو بتقديم النصح والمشورة لموكليهم وممارسة حق الدفاع بالوكالة عنهم أمام القضاء،..الخ.
مناسبة هذا الحديث هي الانتخابات النقابية الهامة لمحامي فرع دمشق التي ستجري في أواخر الشهر الجاري، هذه الانتخابات التي تعتبر استحقاق هام لا يقل أهمية عن أية انتخابات أخرى سواء كانت تشريعية أو إدارة محلية، إلا أننا مع الأسف لم نلمس حتى الآن أي تحرك على الأرض يوحي باهتمام المحامين بتلك الانتخابات النقابية، باستثناء بعض المحامين الذين لولا ترشحهم لمجلس الفرع أو للمؤتمر العام لما كنا سمعنا صوتاً لهم.ويعود السبب في عدم اهتمام المحامين بتلك الانتخابات هو اعتقادهم أن نتائج تلك الانتخابات النقابية ستكون محسومة، وأنه سواء شارك بصوته أو لم يشارك فإنه لن يغير في نتيجة التصويت، ودليله على ذلك هو ما جرى في الدورات الانتخابية السابقة التي جاءت نتائجها متشابهة، فأكثر من نصف أعضاء مجلس الفرع الحالي يتكرر انتخابهم في كل دورة انتخابية منذ ثلاث أو أربع دورات انتخابية وبعضهم أكثر من ذلك بكثير، وأعضاء مجلس الفرع الحالي كما في الدورات السابقة يعتمدون كثيراً على أصوات المحامين المتمرنين (700-900صوت) وهذه الكتلة من الأصوات تصب في الغالب أصواتها لمجلس الفرع القائم على اعتبار أن مجلس الفرع هو من يشرف ويتحكم ويقرر في النهاية بنقل هؤلاء المحامين المتمرنين إلى جدول المحامين الأساتذة ، وهناك أمر أخر يتعلق بمكان التصويت الضيق الذي يقع في الطابق الخامس يضاف إليه صعوبة الصعود إليه خاصة في ظل توقف المصعد عن العمل مما يؤدي إلى اعتكاف عدد مهم من المحامين من كبار السن من المشاركة في العملية الانتخابية، وفي النهاية من يقرر نتيجة التصويت المحامين الشباب اللذين لم تمض سنة أو سنتان على نقل أسمائهم إلى جدول المحامين الأساتذة يضاف إليهم كتلة المحامين المتمرنين، والمستفيد الأكبر من كل ذلك أعضاء المجلس الحالي الذين يترشحون في كل دورة وينجحون. باستثناء المحامين البعثيين الذين التزموا بقرار قيادتهم السياسية بعدم الترشح لأكثر من دورتين، إلا أنه تمت العودة عن هذا القرار في هذه الدورة الانتخابية. لذلك فمن المرجح أن تتم إعادة انتخاب أعضاء المجلس الحالي باستثناء عضوين منهم على الأكثر..
أما بالنسبة لبرامج المرشحين سواء لمجلس الفرع أو للمؤتمر العام فقد غابت عن اهتمامات المرشحين، وإن وجدت بعض البرامج فمضمونها لا يخرج عن الإطار العادي والعام ، وقد انصب اهتمام غالبية المرشحين في إدارة حملاتهم الانتخابية على إرسال رسائل sms إلى الناخبين من المحامين تحثهم بشكل أو بأخر على التصويت.. وإقامة حفلات استقبال في أماكن فخمة يتخللها تناول المشروبات الغازية والحلويات.. فبعض المرشحين كتب في رسالته الانتخابية " تعانق الأجيال يحقق الآمال ويسرنا نحن المحامون … دعوتكم لحفل استقبال في مجمع صحاري ، " وهو دليل على تحالف بين المحامين الشباب وكبار السن، فرحة العيد لن تكتمل إلا بلقائكم ..نتشرف بدعوتكم لحضور حفل الاستقبال والمعايدة في فندق الشام"، ورسائل أخرى تدعو الناخبين لحفل استقبال في قصر الأميرات.. أما بعض المرشحين فاستغل قدوم شهر رمضان وعيد الفطر ليرسل رسائل معايدة لم يسبق لهم أن أرسلوها في العيد السنة الماضية، " المحامي فلان يهنئكم بعيد الفطر المبارك وكل عام وأنتم بخير". ومحامون آخرون كتبوا " لكم علينا واجب وأمانة موعدنا معكم في .." "من أحسن البداية كان في منتصف الطريق صوتك رسالتك مرشحكم المحامي فلان" " أما أكثر الرسائل تعبيراً فوصلتني من أحد المرشحين الذي لعب دوراً بارزاً في تطوير العمل في فرع دمشق جاء فيها" بوصلة قلوبكم التي لا تخطيء الطريق، ستؤشر حتماً إلى الدروب التي تقود إلى الأفضل" .
ومن جهة أخرى فقد لوحظ غياب كامل لقوى المعارضة عن هذا الاستحقاق الانتخابي الهام، فلم نلحظ أي نشاط لها ولا حتى للأحزاب والقوى المنضوية في الجبهة الوطنية التقدمية. فإذا كان حزب البعث قد استبق تلك الانتخابات بإجراء "استئناس حزبي" لاختيار الأوائل من المحامين البعثيين في هذا الاستئناس لترشيحهم في الانتخابات، فلم يصدر في المقابل عن تلك القوى وخاصة القوى المعارضة منها أي نشاط يدل على اهتمامها بهذا استحقاق، التي عادة ما تكتفي بإصدار بيانات سياسية تتضمن في الغالب مفاهيم ومطالب عامة كالمطالبة بإلغاء أو رفع قانون الطوارئ أو إصدار قانون أحزاب جديد، هذه المطالب التي بتنا نسمعها على لسان المواطن العادي.
وأخيراً نأمل كل الأمل أن يختار محامو دمشق المرشح المؤمن برسالة المحاماة في النبل والفروسية ومكارم الأخلاق، والأفضل، ومن هو الأقدر على خدمة المحامين ورفع سوية المهنة، ومن هو المؤمن بضرورة تنظيف بيتنا من الفاسدين والمفسدين، والأهم هو أن نتمكن من قطع الطريق على الوصوليين والانتهازيين من الوصول إلى مجلس الفرع والمؤتمر العام.
وفي النهاية نريد مجلساً قوياً وفاعلاً وقادراً على محاسبة المسيئين لسمعة المحاماة والنهوض بهذه المهنة السامية، وتمكينها من أداء رسالتها بكل شرف وأمانة في الدفاع عن أعضاء الفرع وعن المظلومين، والدفاع عن حريات الناس وحقوقهم، والمشاركة في صياغة القوانين ومساعدة القضاء على أداء دوره في تحقيق العدالة التي نصبو إليها جميعاً.
دمشق 25/9/2009







