المستقبل –
كان معظم الفرنسيين يفكّرون مثل "بوسوييه" وفجأة أصبحوا يفكرون مثل فولتير، إنها لثورة. بين سنة 1680 وسنة 1715، كانت الأفكار الأكثر تناقضاً تتجابه. والنظام الكلاسيكي الذي استرجع قواه بعد عصر النهضة كان يبدو أبدياً. وعلى الرغم من ذلك، وبعد العام 1680، أصبح كل شيء يتحرك. لقد بدا وكأن ريحاً خارجية تهب على النظام الرسمي، فقد أصبح لبعض العقول الجرأة على الإدعاء بأن الفلاسفة الحديثين يوازون الأقدمين وأنه يجب أن يتغلّب التقدم على التقليد.
كان ذلك العصر عصراً مفصلياً حيث أمسى المرء يناقش في الثورات وفي حقيقة النصوص المقدّسة وفي الأسرار، وراح أحرار التفكير يحاربون التقليد، ويتكلمون على الحق الطبيعي ويحلمون بعصر من السعادة المبنيّة على العقل وعلى العلم. إن هذا الغليان المذهل للأفكار وللرجال هو ما يعرضه ويحلّله "بول هازار" في هذا الكتاب الذي أصبح كلاسيكياً، وهو إن صحّ القول، يعيد كتابة تاريخ أصول أوروبا المعاصرة.
[الثابت والمتحرك
كانت أمنية العصر الكلاسيكي الثبات على الحال نفسها وتجنّب أي تغيير قد يعرّض هذا التوازن العجائبي للتدمير. إن الفضول الذي يعتور النفس القلقة خطر ومجنون، إذ أن الرحالة الذي يسعى حتى آخر المسكونة لا يجد أبداً إلا ما يحمله معه أي حالته الإنسانية، وعندما يجد شيئاً آخر يكون قد أضاع ذاته، فليركزها على العكس من ذلك، وليستعملها حسب رأي المؤلف في المسائل الأزلية التي لا تحل بالتهرّب منها. وكما قال مسيناك: "الدليل الأول للعقل منظم تنظيماً جيداً هو كونه يستطيع التوقف والبقاء مع ذاته في آن". واكتشف باسكال أن مصيبة الناس كلها تأتي من أمر واحد هو عدم معرفة المرء البقاء مستريحاً في غرفة ما. إن العقل الكلاسيكي في قوته يحب الثبات، إنه يريد أن يكون الثبات بعينه. بعد عصر النهضة وعصر الإصلاح، جاء عصر التأمل والحركة. كان القرن السابع عشر عصر انتصار الأسفار، وهي نوع أدبي حدوده غير واضحة المعالم، ملائم وعملي، يسمح للمرء أن يكسب فيها كل شيء، كالمقالات ومصنفات المتاحف وقصص الغرام. ويؤكد المؤلف أن أوروبا لم تتوقف أبداً عن العمل لاكتشاف العالم واستغلاله، فهذا القرن أكمل المهمة التي ورثها من القرن السادس عشر، ومنذ سنة 1619 ظهر كاتب غامض يدعى برجرون، وسنة 1736 توماس كامبانيلا، راحا يدرسان ما يأتي: بما أن اكتشاف الكرة الأرضية قد ناقض بعض المعطيات التي ارتكزت عليها الفلسفة القديمة فيجب أن يؤدي ذلك الى تصوّر جديد للأشياء. بيد أن البلدان التي دخلت في أفق الأوروبيين بعد استعمارها، أمست تشكل مادة للأحاديث العلمية، بحيث أن ديانة بعض الشعوب (في مصر القديمة مثلاً) كانت متماسكة جداً ونبيلة، وأبعد من ذلك كانت حضارتهم رائعة. فمن حافظ على حقوق الفكر والثقافة بعد أن طغت البربرية على العالم، هم العرب.
[العقلانيون
بما أن مجهولاً إسمه العقل شرع بالدخول منذ سنوات، وبالقوة، الى معاهد الجامعات الأوروبية، وبما أنه يريد امتحان أرسطو وطرده، مستعيناً ببعض الظرفاء الذين لقبوا أنفسهم بالغاسينديين والديكارتيين والمالبرانشيين، وهم أناس عديمو الأخلاق حسب رأي بيرنيه. وفي هذا المجال يقول المؤلف: "كان ذلك صحيحاً، فالعقل العدواني بدأ بالتدخل، كان يريد أن يتفحص ليس فقط أرسطو، ولكن كل من كان قد فكر وكل من كان قد كتب.. كان يدعي أنه سيضرب عرض الحائط بكل الأغلاط السابقة وسيبدأ الحياة من جديد". لم يكن العقل مجهولاً لأنه كان دائماً يستدعى. وفي كل الأوقات، ولكنه الآن بات يبدو بوجه جديد. وثمة سؤال يطرح نفسه: هل العقل هو المقدرة التي يفترض أن يتميّز بها الإنسان عن البهائم، والتي من الواضح أنه بواسطتها يتخطى البهائم بكثير؟ والمؤلف يجيب على هذا السؤال باعتقاده أن ذلك حاصل من دون شك، ولكن بشرط أن تمتد إمكانات هذه المقدرة المتفوقة من دون أن يحدّها شيء، وحتى الجسارات القصوى. وكان العقلانيون يهرعون لنداء العقل نشطاء ومتحمسين ومستبسلين.
إن العقل المندفع لم يعد يتوقف. فهو لا يعترف بقيمة أي تقليد أو أي سلطة، وهو يعلن بأنه لا يوجد أي ضرر من أن يرفض كل شيء كي يفحص كل شيء. ومن العقلانيين سبينوزا الذي يصنّف بين البناة، البناة المتعالين. لقد كان يعترض بحماسة ضد الفكرة التي ربما هدمها من دون أن يعيد بناءها. ففي كتابه "الأخلاق" يقدم أفخم قصر من المفاهيم اختلطت قببه مع السماء. ويرى المؤلف أن سبينوزا كان يعرض تصاميمه ونظرياته واستنتاجاته، ثم يشرح ذلك بعلّة الذات وهو ما يخفي جوهره وجوده أو ما لا تستطيع طبيعة أن تدرك إلا بوصفه موجودة. ويعني الجوهر ما يتصوره العقل في الجوهر مكوناً للذات. ويقول المؤلف: "يوجد جوهر واحد مكوّن من صفات لا حدود لها، كل واحدة تعبّر عن ذات أزلية غير متناهية هي الله". كل ما هو موجود موجود من الله، ولا شيء يمكن أن يكون أو أن نتصوره من دون الله. الله فكر. والإنسان في روحه وجسده، هو شكل للكائن، وبوصفه كائناً، يميل الى الاستمرار في كينونته، بالجهد الذي يسمى الإرادة.
[الحقيقة الاجتماعية
إذا كان هناك من رجل أكد استقلالية الأخلاق والدين بشكل أكثر وضوحاً وقوة من جميع سابقيه هو بيار بايل، لقد عاد الى الموضوع مراراً.
إن خلفية مستقلة هي أسمى من أخلاق دينية، لأن الأولى من وجهة نظر المؤلف لا تنتظر مكافآت ولا عقوبات، ولا تحاسب إلا نفسها، بينما الثانية، بما أنها تخالف جهنم وترجو الجنة، ليست أبداً بعيدة عن النفعية. ويزايد تولند بأن الإلحاد الأبغض هو أقل خطراً على الدولة وعلى المجتمع البشري من المعتقدات الباطلة المتوحشة والبربرية التي تملأ الدول الأكثر ازدهاراً بالانقسامات وبحركات العصيان، والتي تلحق الضرر في أكبر الممالك، وغالباً ما تزعزعها، والتي تبعد الأبناء عن آبائهم والأصدقاء عن أصدقائهم، وتفسخ وحدة الأشياء التي يجب أن تكون موصولة بأوثق الروابط. لكن الباحثين المسيحيين في علم الأخلاق يعتبرون الرد على ذلك بأن هذه العقائد التي يجري السعي لإحيائها كانت المسيحية قد طوتها منذ ألف وسبعمئة عام. إذ ذلك، حسب اعتقاد المؤلف، ظهرت خلقية حديثة جداً، هي خلقية الناس الشرفاء، وهي خلقية نفسية. وهي لا تألف الاقتباس من مصادر العصور القديمة، التي كانت تفضّلها، على أي حال، على المسيحية، لكنها، يقول هازار: "كانت تستند خاصة الى العقل، الى عقل كان قد تحضر ولم يعد قاسياً ومتزمتاً كما في الماضي، ولا يحافظ على أي شيء تقريباً من قساوته القديمة". يجب نسيان زمن كان يكفي أن يكون المرء فيه قاسياً ليكون ذا فضيلة، وذلك لأن التهذيب، والتحذلق، وعلم الشهوات تشكل جزءاً من الحرارة الحاضرة. أما بالنسبة الى بعض الأعمال الخبيثة، فيجب أن تستمر طالما يستمر العالم، ولكن على الأوروبيين أن يستحسنوا ما يسميه الرقيقون لذة وهو ما سمّاه الناس الأفظاظ والقساة رذيلة.
هذه الخلقية لم تكن تستبعد اللذة، ولا حتى الشهوة، شرط أن تكون معتدلة وموجهة. ومع ذلك لم تكن تستطيع أن تدّعي أن لها قوة الإلزام، بل أقل من ذلك أيضاً. إن لها قيمة عامة، ولفهمها وممارستها، كان يجب أن يدعى المرء أنها خلقية أرستقراطية. تركيبة ضعيفة، حل وسط، لا هيمنة، ولكن تكيّف.
ويتساءل هازار، هل الخير الاجتماعي هو محض فضيلة؟ هل تنجح الجماعة التي تنجز واجبها القاطع، بأن تزدهر أو أن تعيش فقط؟ ذلك ما يشك به جون لوك. ولكن أيضاً ما كان يضعه موضع الشك أيضاً ذو روح سيئة، وفاسق أزعجه الأخلاقيون الذين كانوا يدّعون أنهم لا يجدون في قلب الإنسان إلا مروءة وحسن التفات، وغيرية.
[أوروبا أرض النزاعات والغيرة
إن أوروبا، بنظر المؤلف، هي أرض النزاعات والغيرة، والحسد، والمرارة، والخشونة، واللاتين يزدرون الألمان، تلك الأجسام الغليظة، والسمات الفظة، والأذهان الثقيلة، والألمان يزدرون اللاتين، التعبين والفاسدين، واللاتين يتخاصمون في ما بينهم، وكأنهم يتعذبون عندما يفرض عليهم الاعتراف بمزايا أمة مجاورة، فالعيوب هي التي تخطر دائماً على أذهانهم.
ولكن يقول المؤلف "قد ترسم حركة الفكر الحديث كما يلي: إنطلاقاً من عصر النهضة، ثمة حاجة للابتكار، وشغف للإكتشاف، وحاجة ملحّة لنقد ظاهرة لدرجة يستطيع الأوروبيون معها مشاهدة السمات السائدة لوعي أوروبا". وانطلاقاً من وسط القرن السابع عشر تقريباً هناك توقف مؤقت، وتوازن مفارق يتحقق بين العناصر المتواجهة، وتوفيق يتم بين القوى المتخاصمة. وهذا النجاح، المذهل تماماً يعتبره المؤلف أنتج الكلاسيكية. وهي فضيلة السكينة، وقوة هادئة، ومثال الاطمئنان النفسي بلغة وعي أناس يعرفون الأهواء والشكوك، كباقي البشر، ولكنهم يتطلعون الى نظام مخلّص، بعد اضطرابات الزمن الماضي، من دون أن يعني ذلك أن روح النقد قد أبطلت. بعد ذلك طرأ تغيير لامست نتائجه عصرنا الراهن قد حصل في السنوات التي كان فيها عباقرة يدعون، قد باشروا بفحص ضمير كامل من أجل تحرير الحقائق التي تهيمن على الحياة منذ حين. ولكي نردّد قول أحدهم (لايبنتز) باسطين على العالم الأخلاقي ما كان يقوله عن العالم السياسي "لقد بدأ نظام جديد للأمور في السنوات المنتهية من القرن السابع عشر".
[ أزمة الوعي الأوروبي
[ بول هازار
[ ترجمة: الدكتور يوسف عاصي
[ المنظمة العربية للترجمة ـ بيروت 2009
[ 606 صفحات من الحجم الوسط







