تؤدّي كل موجة احتجاجات جديدة، أو أحداث عنيفة في سوريا، إلى تصاعد الحديث مجدداً عن أسئلة الكيان الوطني السوري، وهي أسئلة لم تكن إجاباتها محسومة يوماً، منذ بوادر نشأة ذلك الكيان مع انهيار الدولة العثمانية. فلطالما تساءل السوريون عن هويتهم، وامتداداتهم السكانية والثقافية والحضارية، ولغتهم، أو اللغات الدارجة بينهم، وهل من المجدي أصلاً إقامة دولة وطنية في مساحات من الأرض، يرى سكانها لأنفسهم آفاقاً أوسع، أو أضيق منها. تلك أزمة سورية عميقة على مستوى الثقافة والأيديولوجيا، مهما بدت الرواية الوطنية السورية مترسّخة لفظياً: جمهورية ذات أفق عربي، ترفض الطائفية والمناطقية، وتسعى لتجاوزهما.
أصيبت تلك الرواية في مقتل منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، إذ بدا واضحاً أن «الشعب السوري» ليس واحداً للدرجة التي كان يهتف بها المتظاهرون. هنالك «مناطق مهمّشة» ودعوات قومية غير عربية، وبشر يرفعون أعلاماً غير «وطنية» وإرثاً من الدم بين متطرّفين من طوائف ومناطق مختلفة، وبالتالي فالثقافة السياسية الكلاسيكية لم تعد قادرة على تقديم أي مقاربة مفيدة عمّا يحدث، رغم ذلك، ظلت تلك الثقافة في خلفية، أو «لا وعي» أي حديث عن سوريا، حتى لو حاول التمرّد على الرواية الوطنية، وإظهار تقبّل أكبر للطائفية والنزعات اللامركزية والاختلاف الهوياتي الكبير بين السوريين. فـ»الجمهورية العربية السورية» تبقى النقطة المرجعية لأي تفكير؛ وإعادة بنائها، بشكل جديد، تظل الهاجس السياسي الأول.
أحد أهم المصطلحات، التي ارتبطت بإعادة بناء الجمهورية، كان «الجماعة الأهلية» وهو مصطلح شديد الغموض، وأقل من أن نعتبره مفهوماً، وذلك لأنه من الصعب جداً إدراك معناه، وتعيين حدوده، أو تقديم تعريف له. حاول المفكر السوري الراحل ميشيل كيلو مثلاً، الحديث عن علاقة بين «مجتمع أهلي» و»مجتمع مدني» الأول يثور أو يطالب بالإصلاح؛ والثاني يمدّه بالخطاب السياسي. لا جدوى طبعاً من ملاحقة أصل هذه المفاهيم، لكن لفهم «اللغة السورية» لا بد من التقاط التلميحات: هل المقصود بـ»المجتمع الأهلي» عشائر أو مجموعات إثنية أو تجمعّات ريفية وشبه ريفية، يمكنها التمرّد العنيف على السلطة المركزية، فيما يصوغ مثقفون، مقيمون في «المدينة» (أي دمشق وحلب غالباً) المطالب السياسية لهذه المجموعات؟ وعلى أي أساس سيفعلون هذا؟ ولماذا يجب على أبناء «الجماعات الأهلية» الثقة بهم، بدلاً من اللجوء إلى أساليبهم التقليدية في الاحتجاج وحلّ النزاعات؟ وهل ناشطو «المجتمع المدني» مؤهّلون، اجتماعياً وسياسياً، لصياغة المشاريع؟
ربما بات هذا النوع من الأسئلة عتيقاً نوعاً ما، فقضايا «الثورة» لم تعد هي الأساس، بقدر ما عادت الأسئلة الأبسط عن «المساحات» السورية، وسكّانها: من أولئك البشر «الأهليون» الذين يصرخون من أوضاعهم المزرية، في مناسبات دورية؟ وهل يمكن لصراخهم أن ينتج سياسة وثقافة سياسية، ترمّم «الجمهورية العربية السورية» أو تُنتج بديلاً عنها؟
صعوبة «اللغة السورية»
ضرورة فهم التلميح والإشارة، في ما وراء منطوق كل عبارة، يجعل ما يمكن تسميته «اللغة السياسية السورية» شديد الصعوبة، وربما لذلك قد يكون من الأجدى التفكير به أنثروبولوجياً وليس سياسياً. في ما مضى كان علماء الأنثروبولوجيا يحاولون إقامة صلة بين منهجين لأبحاثهم: منهج «الإيمك» emic أي تقديم وصف للظواهر الإنسانية، مطابق لمنظور ولغة الجماعات موضوع البحث؛ ومنهج «الإيتك» etic أي الوصف العقلاني/المنهجي للمُراقب. من المفترض أن تكون لغة المحتجين وشعاراتهم هي «الإيمك» باعتبارها تعبيراً محلّياً عن معاناتهم ورغباتهم، إلا أن كثيراً من الصور والتسجيلات، الواردة من مواطن الاحتجاجات، مثل محافظة السويداء السورية، تظهر أن المحتجين يستخدمون التعبيرات الوطنية والفلكلورية السورية التقليدية، وعلى المتلقين أن يفهموا ما وراءها من دلالات. وبالتالي فالملاحظة الأولى أن «الجماعات» المنتفضة لم تخرج عن الإطار التقليدي للغة «الجمهورية العربية السورية» وغير معنية بإنتاج تعبيرات جديدة أو مختلفة، سواء كانت «وطنية» أو طائفية. يعني هذا أننا ما زلنا في العالم الرمزي والمفاهيمي والقيمي السوري نفسه.
إذا حاولنا وصف ما يجري من منظور «الإيتك» فقد نتحدث عن مجموعات سكانية، ريفية وشبه ريفية، تربطها علاقات عشائرية ومذهبيّة، تحتجّ على إفقار شديد الوطأة، يصل إلى درجة التجويع، دون تقديم خطاب أو مشروع سياسي، أو اقتراح شكل جديد للتنظيم الاجتماعي، أو حتى هيئات مُمأسسة لتصريف شؤون الحياة في وقت الأزمة، إلا أنها تتمتع بالحد الأدنى من القدرة على الدفاع الذاتي، نظراً لحضور ميليشيات محليّة في خلفية حراكها.
ربما يُسهّل لنا الربط بين هذين الوصفين فهم بعض تعقيد «اللغة السورية» إذ يبدو أنها تمنح مجموعات سكانية، غير قادرة على إنتاج المشاريع السياسية، والخطاب أو القول المستقل، القدرة على الكلام والاحتجاج بالحد الأدنى، فيصبح في إمكان متحدّثها، عبر ما يقوله ويلمّح إليه ويسكت عنه، أن يكون وطنياً جمهورياً، ومذهبياً مناطقياً في الوقت نفسه؛ متمرّداً على السلطة المركزية بعنف، وفاعلاً ضمن أطرها وعالمها المفاهيمي؛ شديد الخصوصية، لكن قادراً على التواصل مع مجموعات سكّانية أخرى. لا يعني هذا النفاق أو التقيّة، بل صيغة تواصلية، قد تكون مناسبة للتشكيلات الاجتماعية والسياسية السورية، ولذلك قد يكون سبب استمرار هذه اللغة، رغم كل الكوارث التي عرفها البلد، هو قدرتها على تأدية وظائف لا غنى عنها، خاصة إذا لاحظنا أن الجهات الوحيدة التي خرجت عنها، كانت المجموعات الإسلامية الأكثر تشدداً؛ إضافةً للقوى السياسية، التي توقّفت عن استخدام اللغة العربية أصلاً، إلا أن هذه الافتراضات تطرح أسئلة أشدّ تعقيداً: إذا كانت «الجماعات الأهلية» متمسّكة، لظروفها الموضوعية، باللغة السياسية السائدة في البلد، فهل يعني هذا أنها عاجزة، من حيث المبدأ، على قول أي شيء جديد؟ ولماذا لا يمكن أصلاً لـ»الأهليين» أن يبتكروا أفكاراً أو مشاريع جديدة، تناسب أوضاعهم؟ بالتأكيد ليس بسبب الخوف من الاتهام بالطائفية والمناطقية، فذلك الاتهام لم يعد مخيفاً لأحد، في بلد عاش ويعيش بعضاً من أسوأ وقائع الاقتتال الداخلي في العالم.
مفهوم «الفلاحيّة»
بعيداً عن مصطلح «الجماعة الأهلية» الذي لا يعني شيئاً في الواقع، يمكن اقتراح استعمال مفهوم «الفلاحيّة» للتعبير عن وضع غالبية التجمّعات السكانية المنتفضة في سوريا، وهو لا يشير فقط إلى العاملين في الزراعة، بل يمكن اعتباره المقابل لمفهوم «البورجوازية» أو المدينيّة. إذ يعيش أغلب الناس في سوريا في بلدات وقرى ومدن صغيرة، أو على هوامش مدن كبيرة، لم تتطور فيها كلها منظومات معقّدة للصناعة والخدمات، وحيّز عام بالمعنى الحديث. ما يُعرّف «البورجوازي» ليس فقط ملكيته لوسائل إنتاج ما، بل أيضاً استقلاله عن علاقات التبعية والولاء التقليدية، فيما أكثر ما يميّز «الفلاحي» تمسّكه بتلك العلاقات، سواء كانت عشائرية أو مذهبية أو مرتبطة بالعائلات الممتدة، بل إن علاقته مع الدولة وأجهزتها، تقوم غالباً على أنماط مستحدثة من الولاء والتبعية، التي قد تنقلب إلى تمرّد، أو «عقوق» عنيف للغاية، إذا لم يجد لنفسه مكاناً في سياسات توزيع الموارد الخاصة بها، أو لم تشمله إحدى شبكاتها غير الرسمية، والتي يميل البعض لوصفها بـ«الزبائنية».
لا يمكن لتجمّعات سكانية «فلاحية» بهذا المعنى، إنتاج عمل سياسي بالأسلوب المديني/البورجوازي، وهذا لا يشمل فقط البرامج والخطابات «الوطنية» أو الطبقية، بل أيضاً الخطابات الطائفية، لأن الطائفية بدورها، وما ارتبط بها من مشاريع محاصصة أو انفصال أو فيدرالية، هي خطاب سياسي حديث، صاغه دائما مثقفون وناشطون سياسيون بورجوازيون، عملوا في مدن حديثة، وربما لذلك من الصعب جداً أن تسقط «الجمهورية العربية السورية» ولغتها؛ أو أن يجد المتمردون ما يقولونه خارجها، فهي البناء السياسي/الأيديولوجي الأنسب للفلاحيّة، ضمن شروط التطوّر التاريخي للبلد.
خارج «التمرّد السوري»
يمكن اعتبار علاقات التبعية والولاء «الفلاحيّة» ذات طابع مزدوج، فهنالك الولاء الداخلي للبنى الاجتماعية التقليدية، مثل العائلة، زعماء المذهب، وحتى قادة الميليشيا؛ وهنالك الولاء الخارجي، لتنظيم سياسي حديث، قادر على تكديس القوة المادية المنظّمة، وإعادة توزيع الثروة، مثل الدولة المركزية السورية؛ وقوى حزبية أو عسكرية متنوّعة (حزب الله اللبناني، حزب العمّال الكردستاني، الحرس الثوري الإيراني، إلخ)؛ والقوى الدولية والإقليمية الأكثر تأثيراً، مثل تركيا وروسيا والولايات المتحدة. وإذا وافقنا على افتراض أن التجمعات السكانية «الفلاحيّة» غير قادرة على إنتاج أي مشروع سياسي مستقل، فربما كانت قراءة التمرّد السوري تتطلب دائما أخذ مسألة الولاء والتبعية المزدوجة بعين الاعتبار، إذ لا يمكن توقّع أي تغيير، أو برنامج سياسي للخروج من الأزمة المستفحلة، إلا بالتلاقي، شديد التركيب والتعقيد، بين القوى السياسية المنظّمة (الخارج) والبنى المحليّة «الفلاحيّة» ومظالمها (الداخل) وهذا التلاقي قد يكون منتجاً غالباً لأكثر المشاريع السياسية استغلالاً وظلامية، لكن لا يوجد مانع نظري من أن يكون ثورياً أو تحررياً.
كاتب سوري
“القدس العربي”

























