لا يزال الشرق الاوسط مدار سجال واهتمام عالميين منذ مطلع القرن الماضي وحتى الزمن الحاضر. شكل الصراع عليه محور نزاعات دولية، واستراتيجيات للهيمنة على موارده ومواقعه الجغرافية، ومحور سيطرة استعمارية. اختلط الصراع حوله بقضايا متعددة تبدأ بالسياسي وتصل الى الديني، وتكونت آراء حول بناه الاجتماعية وطبيعة شعوبه اتسم بعضها بمعرفة حقيقية، فيما اصطبغت غالبية الآراء باوهام واضاليل بعيدة عن ادراك كنه مجتمعات هذا الشرق الاوسط ودوله. لكن الاوهام حوله لم تكن خارجية فقط، بل سادت لدى شعوب الشرق الاوسط ونخبه عن مجتمعاتها، فاتسمت كثير من الاراء بلوحة اسطورية عن هذه المجتمعات لا ترى فيها سوى الايجابي، ونظرة سلبية عن الآخر لا علاقة لها بالواقع.
يشكل كتاب فريد هاليداي : "مئة وهم حول الشرق الاوسط"(•) محاولة جادة في تحديد الاوهام المتبادلة عن الشرق الاوسط، المتكونة من شعوبها ومن الخارج، وفرز الحقيقي والصحيح عن الخرافي وغير الموضوعي. تأتي اهمية الكتاب من كون كاتبه واحدا من العارفين بشؤون الشرق الاوسط من داخله، والمطلعين على شؤونه بصورة مفصلة نتيجة معايشة حقيقية لهذه المجتمعات.
يشير هاليداي الى اهداف ثلاثة دفعته الى اصدار هذا الكتاب. يتصل الهدف الاول بسعي الى " محاولة لمقارعة النزوع الى الماضي- التاريخ"، حيث تسود نظرة شبه عامة بأن الشرق الاوسط منطقة محكومة ومقيدة بالارتداد الى الماضي والاقامة فيه سواء من الناحية القومية او الدينية، وهو امر يتجلى اليوم بقوة في الدعوة الصهيونية التي تشدد على انها تعيد خلق الماضي التوراتي الذي اعطى اليهود الحق في "ارض الميعاد"، وكذلك في الدعوات الاسلامية خصوصا منها الاصولية المشددة على اعادة الدولة الاسلامية التي قامت في عهد الرسول والخلفاء الراشدين الى الزمن الحاضر. فاذا كانت دول وممالك الشرق الاوسط تدّعي ان شرعيتها مستقاة من الطقوس الدينية البعيدة في التاريخ، لكنها في الواقع، جميعها كيانات حديثة نشأت في القرن العشرين وتكونت مجتمعاتها على امتداد هذا الزمن، مما يلغي الطابع الاسطوري الديني الذي يجري اضفاؤه عليها.
يقوم الهدف الثاني للكتاب على رفض النقاش الدائر تحت عنوان "صراع الحضارات" والذي ينظر الى الاديان والثقافات بصفتها عناصر منفصلة ومتميزة عن بعضها، وتسير في علاقة تناحرية، فيما تثبت الوقائع كل يوم ان هذه الثقافات، التي قد تكون متمايزة احيانا، بعيدة عن الانغلاق، وتقوم بينها حالة من التفاعل والتبادل، بما ينفي وجود ثقافة صافية او حضارة منفردة، بمقدار ما هناك ثقافة عالمية وحضارة انسانية تحوي روافد من منوعات فكرية من هذه المنطقة او تلك. واستتباعا لهذه المسألة، يمكن القول إن تاريخ الشعوب لم يكن يوما قوميا بمقدار ما كان عالميا، كما لم يكن تاريخ كتل منعزلة تعرفت على بعضها من خلال الحروب، بمقدار ما كانت عملية متواصلة من التفاعل الثقافي والحضاري والاقتصادي.
اما الهدف الثالث، فهو "محاجة خلقية" تتركز على الدور الذي باتت الخرافات والاوهام تلعبه في حياة الشعوب، سواء لجهة تزوير التاريخ وافتعال تاريخ يتوافق مع الاهداف السياسية للمجموعات الحاكمة، او لجهة استحضار الرموز الدينية وتوظيفها في الصراعات الاجتماعية والسياسية، بحيث باتت الاساطير والخرافات والاوهام تتحكم بالعقول وتفرض نفسها عاملا مؤثرا في استراتيجيات الاحزاب والدول في آن واحد.
انطلاقا من هذه الاهداف يقوم هاليداي بتقديم مئة مقولة حول الشرق الاوسط تتناول القضايا الرئيسة التي تهم المنطقة، يمكن هنا أخذ عينات من مضمونها.
هناك ما يعرف بنظرية المؤامرة المزدهر انتشارها في العقل الشرق الأوسطي، والتي ترى في سياسات دوله ثمار مؤامرات واجندات سياسية غير منظورة خططت لها أيادٍ اجنبية واقامت لها الترتيبات اللازمة بعيدا عن رأي شعوب هذه المنطقة ومصالحها. لا يمكن انكار التآمر في سياسات خارجية على مصالح شعوب المنطقة، لكن التفسير التآمري الوحيد الجانب يصب في منحى خرافي في قراءة الواقع، ويعبر عن شلل فكري في معرفته، والاخطر انه ينفي مسؤولية القوى المحلية عن تطور الاحداث.
مقولة اخرى تحمل الكثير من الفوضى والالتباس في القراءة والفهم، تتصل بالاسلام دينا وبالاسلام حركات سياسية، وفق اوهام من الشرق الاوسط، فإن الغرب يبدي عداء للإسلام منذ قرون، وهو بعد فقدانه العدو الذي كان متمثلا بالشيوعية خلال الحرب الباردة، عمد الى اختراع عدو آخر هو الاسلام، وركب على هذه المقولة حملة دعاوية ضد الاسلام والمسلمين، وخلق نظرية منتشرة بقوة اليوم تعرف ب"ارهاب الاسلام". هذه النظرة ناجمة عن خلط بين الدين في محتواه الايماني والروحي والانساني، والتوظيف السياسي للدين في الصراعات السياسية والاجتماعية، واستخدام نصوص دينية نزلت في تاريخ وظروف سابقة اتصلت بعوامل معينة في الصراع لنشر الدين الاسلامي في الجزيرة العربية، وكان من جرائها "آيات الجهاد"، التي تسعى الحركات الاصولية المتطرفة اليوم الى استحضارها واعتبارها صالحة في تحقيق اهدافها.
لا يمكن انكار معضلة تطاول العقل الاسلامي في هذا المجال حيث لم يتمكن الى الآن من الفرز بين الجوهري في الدين المتصل بالقضاية اللاهوتية الايمانية والروحية، واحكام اتت في سياق تاريخي وزمني ايام الدعوة المحمدية، وباتت هذه الاحكام خارج التاريخ الراهن. وهي مسألة مفتوحة على قضية الفصل بين الدين والدولة، والنزاع الدائر حولها حيث ترفع الحركات الاسلامية شعار "الاسلام دين ودولة"، فيما تحاول وجهات نظر عقلانية ان تبين وبالملموس ان "الاسلام دين لا دولة، ورسالة لا حكم". والخطير اليوم هو لجوء حكام الشرق الاوسط الى استخدام الرموز الدينية، والزام المؤسسات الدينية باعطاء شرعية سياسية ودينية لهذه السلطات القائمة.
من الاوهام السائدة ايضا، الفكر السياسي الغزير الذي يتناول اسباب التخلف العربي واعادته الى رغبة الغرب في اخضاع شعوب المنطقة بهدف السيطرة على مواردها، وخصوصا النفط منها. وفي السياق نفسه، يقع تفسير فشل الوحدة العربية واستمرار حال الانقسام العربي. يصعب القاء مسؤولية التخلف وعدم قيام الوحدة العربية على السياسات الغربية والاستعمارية، على رغم تحمل الكثير من المسؤولية في هذا الجانب. يجب التفتيش عن اسباب التخلف في البنى الداخلية القائمة على العصبيات المتعددة الانواع، وعلى القيم والثقافات السائدة، وعلى التجزئة الموروثة تاريخيا، وهي عناصر منعت، ولا تزال، عناصر الحداثة والتحديث من التأثير في هذه البنى وازالة الموروثات التي تقف حاجزا امام دخول الشرق الاوسط الى عالم الحداثة والتقدم.
أما القول بأن الاستعمار مسؤول عن التجزئة والتقسيم في المنطقة العربية، فهو قول لا يلامس الحقيقة بكاملها. لم تكن المنطقة العربية موحدة في يوم من الايام، ولم تكن التجزئة ابنة السياسات الامبريالية، على رغم ان الاستعمار افاد من هذه التجزئة لتركيب كيانات سياسية تتوافق ومصالحه الاستراتيجية في المنطقة. الا ان مسؤولية انعدام قيام الوحدة العربية تظل مسؤولية عربية اولا واساسا، وهو امر يطرح طبيعة الوحدة وشروط قيامها بعدما شهدت المنطقة قيام وحدات بين بعض اقطارها سرعان ما انفكت، بل تحول الشعار الوحدوي الى الحاق بالقوة لقطر عربي بآخر.
لا تقتصر الاوهام حول الدول العربية، بل تمتد وبقوة الى اسرائيل وكيفية النظر الى ذاتها. ترى الايديولوجية الصهيونية ان اسرائيل تأسست كـ"نور للامم" وفق التعبير التوراتي، وذلك لاضفاء طابع خلقي وشرعية دينية على الدولة اليهودية التي تأسست العام 1948. ووفقا لذلك ترفض اسرائيل وصفها بالدولة الاستعمارية والاستيطانية، بل تشدد على فرضية كونها تمثل اعادة خلق دولة كانت موجودة في القدم، وهي مقدسة الهيا. تقوم وظيفة استحضار الخرافة التوراتية حول قيام اسرائيل لتبرير اضطهاد الشعب الفلسطيني وطرده من ارضه تحت شعار وهمي وخرافي يقول بان "فلسطين ارض بلا شعب، لشعب بلا ارض"، وهي مقولة استعمارية وبعيدة عن الاخلاق بامتياز.
تلك عينات من الاوهام والاساطير التي تسود الشرق الاوسط بشعوبه المتعددة، العربية والفارسية واليهودية وغيرها وصولا الى افغانستان واذربيجان. تطرح هذه العقلية السائدة امام شعوب هذه المنطقة تحديات كبيرة للفرز بين الوهم والحقيقة في صياغة السياسات والاستراتيجيات اللازمة لتقدم هذه الشعوب وتطورها.
• فريد هاليداي، مئة وهم حول الشرق الاوسط، دار الساقي 2006.
النهار




















