فن العيش فن للوجود، تذوق للذات صانعة الجمال»
فوكو
الذات باعتبارها ذاتا للرغبة اختفت وتركت مكانها للذات، كاستجابة للشهوات الحيوانية، ذلك أن ظهور الإنسان في العلوم الإنسانية قاد إلى اختفاء الإنسان كذات حرة ومفكرة في الفلسفة، ولم يعد الإنسان يفكر في ما يفعله، ولذلك فإن العلاقة التي يقيمها الإنسان العاقل مع الفكر تحرضه على تمزيق الحجاب عن الحقيقة، فالفكر من حيث هو فكر، غايته الحقيقة، والفلسفة ليست سوى تمرين يومي على معرفة الحقيقة، فكيف تكون الفلسفة فنا للتفكير بطريقة جميلة وعاشقة للحقيقة في الآن نفسه؟ وبأي معنى يصبح الخوف من الفلسفة هو ذاته الخوف من سؤال الحقيقة؟ وهل من يخاف الفلسفة يكون جبانا أمام سؤال الحقيقة؟
إذا كان العقل يسود، فإن الفيلسوف يحكم ويعلم الناس فن العيش بتناغم مع السعادة ففن الذات هو نفسه تذوق الذات، ولذلك نجد أن أصحاب العقول البسيطة أي الأرواح الميكانيكية يقولون ما دام أن الحقيقة لا وجود لها، فإن وجود الفلسفة ليس ضروريا.
هكذا يكون فكرهم عبارة عن غمامة سوداء تعلن عن موت الفكر ونهاية الإنسان كذات تتذوق الوجود، بل موجودة من أجل الاستلاب والتشيؤ، أي التخلي عن الإنسان وتركه أسير قلقه الوجودي ويتهدده العدم، ولم يعد قادرا على إيجاد معنى أصيل للحياة التي تحولت إلى تراجيديا تشاؤمية. إليهم وحدهم، من لا أمل لهم أعطي الأمل، يقول الفيلسوف الذي يأمل في المستقبل ويسعى إلى نقد سياسة الاستبداد سريا باستعمال الباب الخلفي على نحو هايدغر، الذي جعل من الوجود المنقذ من الانهيار، ذلك أن هدم الأرض بالتقنية قاد إلى نسيان الوجود والهروب من أسئلة الفلسفة ما عجّل بموت الإنسان كذات مفكرة وحرة. ذات بلا معنى، فارغة من الروح، والروح هي موضوع الميتافيزيقا، وعندما تختفي، تهجر الميتافيزيقا الأرض، ويحدث التشظي في حياة الإنسان، لأن العقل لم يعد هو طريقه في التفكير من أجل توجيه سلوكه وطريقة حواره، والإنسان العاقل هو الذي يحسن الحوار، منذ أن كنا حوارا نسمع بعضنا بعضا، فمن دون هذا الحوار العميق يصبح الوعي وعيا شقيا وزائفا تتحكم فيه الأيديولوجيا والاستبداد.
معنى الحياة هو فن العيش بواسطة تذوق الذات.
كاتب مغربي
“القدس العربي”


























