قمة دمشق ناجحة بتوقيتها وخياراتها ومكاشفتها، لأنها جاءت في ظرف شكلت الضبابية السياسية عتمتها، وكان لا بد من مخرج يتحلى بالواقعية والعقل، وقطعاً انتهى زمن الزعيم الأوحد ليس في المنطقة العربية وحدها، وإنما في كل العالم الذي قدم ولاءه لشخصية واحدة على حساب الوطن ومجتمعه وممتلكاته وتطلعاته..
ورغم اعتبار المملكة قطباً في محيطها، ورقماً اقتصادياً في منظومة العشرين، ومحوراً أساسياً في عالمها الإسلامي، إلا أنه لا أحد من قادتها ادّعى أنه القطب الأول أو الواحد، ولذلك جاء التعامل مع الطرف العربي والخارجي بمجموعة قيم ومصالح قد تتغير في هوامشها، لا أساسياتها في بعض الظروف، ومن هنا يأتي لقاء الرياض – دمشق بزعامة الملك عبدالله والرئيس بشار بمنطق الأساسيات التي يجب ألا تعطل مسؤولياتهما تجاه بلديهما والمواقع المحيطة بهما بما فيها العالم الخارجي، المتشابك بقضايانا ومصالحنا..
فأقطاب القوة في آسيا والأميركتين، وأوروبا، لا يمكن لأي دولة أن تحرّك أساطيلها أو تعلن التعبئة العامة تجاه الأخرى، وهم يعلمون بأن لعبة المخاطر هائلة، ولم يعد هناك اجتذاب لإحدى القوتين الماضيتين في الشرق أو الغرب لتحمي، ما تسميه مجالها الحيوي، أو أن تتخذ «الفيتو» في مجلس الأمن لصالح ذلك البلد وغيره، لأن المتغير العالمي قلب كل المفاهيم في عولمة الاقتصاد ، وتداخل المصالح، وحتى نزوات بوش الابن عندما اعتقد أن العالم مفتوح وأنه يريد فرض النموذج الأمريكي بمختلف القوى، جاءت نزعته مبددة لأوهام القطب الواحد، ونحن في هذا الوسط المتحرك إما أن نعزز وجودنا على قواعد جديدة، ونؤكد قوة قاعدتنا القومية من خلال استراتيجية جديدة، أو نعوم في مجرّة تلك الأقطاب ونجومها وكواكبها الأخرى التي تتقدم بنفس الإيقاع والوتيرة..
ليس لدينا أوهام بأن كل بلد عربي لديه مناطق قوته وضعفه وتأثيره على الآخر، لكن لو جاء الرابط ليوحد هذه القوى ويقلص مواقع الضعف، ويؤكد الأهداف القومية على أسس لا تنقلب على نفسها نتيجة أي خلاف يبدأ صغيراً ثم يكبر بفعل الشكوك والتفسيرات الخاطئة، فإننا سنكون إضافة أخرى في لعب دورنا وتأكيد وجودنا..
والمقياس الذي توزن به قوة كل بلد هو بإبداع شعبه وسلامة إدارته وقدرته على خلق الفرص وتوظيفها في دورة إنتاجية وتربوية واقتصادية تأتي بعوائد كبرى، فإن بلداناً صغيرة، استطاعت أن تقزّم دولاً تفوقها عشرات المرات في المساحة وتعداد السكان والإمكانات، والعلة تكمن بمن يعرف كيف يخطط ويعطي، والآخر الذي تعطلت أدواته وتجمدت إمكاناته..
هنا نعود إلى مفهوم قديم جديد، هل نُحدث نقلة في التضامن العربي ونزيل أوهام أن كل دولة تنفرد بقوتها، دون الشعور بأننا قوى مفتتة وضعيفة، وأن قمة دمشق سوف تؤسس لمشروع عربي جديد؟.. ذلك ما يحلم به كل عربي..




















