خلَّف النظام المخلوع خراباً في مجالات متعدِّدة شملت السياسة والاقتصاد والعمران، غير أنَّ هذه الأضرار يمكن إصلاحها مع الزمن، مهما كانت عميقة وقاسية، ويبقى الجانب الأكثر خطورة وتأثيراً هو ذلك التغيير الذي أصاب الإنسان نفسه حين تمَّ تدمير بنية المجتمع الأخلاقية، ذلك لأنَّ النظام عمل على تفكيك المعايير الأخلاقية للمجتمع السوري، وسعى جاهداً لإعادة بنائها وتشكيلها على صورة تلبِّي مصالحه وتدعم استمرار وجوده، إذ غدا التحايل فضيلة، والانتهازية ذكاءً، والالتفاف على الحقيقة مهارة تستحقُّ الإعجاب، وبذلك نشأت ثقافة كاملة تقوم على ما يسمِّيه الناس “الفهلوية” تسلَّلت إلى المؤسسات والعلاقات واللغة اليومية، ثمَّ امتدَّ أثرها إلى ما بعد سقوط النظام، لأنَّ سقوط النظام لا يعني بالضرورة سقوط القيم التي زرعها في المجتمع لسنوات طويلة.
أدرك النظام الاستبدادي أنَّ السيطرة على الشعب لا تتحقَّق بالقوة وحدها، لذلك عمل طويلاً على صناعة إنسان خائف ومشوَّش أخلاقياً، يسعى إلى النجاة بدلاً من كشف الحقيقة، ويؤثر الصمت على قول الصدق، ويهدف للوصول إلى مصالحه باستخدام الالتفاف والمرونة الأخلاقية، ومع مرور الزمن تحوَّلت الفهلوية من سلوك فردي إلى ثقافة عامة تفرض نفسها على الحياة اليومية في مجتمع غدا يتقن المواربة ويهمِّش من لا يتقنها ويستبعده خارج دائرة تعاملاته. لقد استطاع النظام السابق أن ينشئ أجيالاً كاملة ترى أنَّ الكفاءة لا تكفي لكي يكون الإنسان ناجحاً، وأنَّ الاجتهاد في العمل لا يضمن لصاحبه مكانة محترمة، فبدأ الأفراد بإنشاء شبكة من العلاقات التي يستطيعون من خلالها التلوُّن والمراوغة للوصول إلى ما يريدون بأقلِّ جهد ممكن. وفي مثل هذا المناخ الأخلاقي الفاسد يفقد الفرد ثقته بقيمة جهده الحقيقي، ويرى أنَّه من العبث أن يسبح ضدَّ التيار، ويبدأ يتعلَّم أنَّ الطريق الأقصر ينبغي أن تمرَّ عبر الواسطة والمجاملة والانحناء، فتتآكل الأخلاق تدريجياً حين يفقد المجتمع احترامه للاستحقاق، وبالتالي احترامه للحقيقة.
كان النظام البائد يحتاج إلى ثقافة الفهلوية كي يضمن استمرار الخوف والطاعة، ذلك لأنَّه كان يرى أنَّ الإنسان الذي يمتلك وضوحاً أخلاقياً يصعب إخضاعه، وقد يستحيل ذلك في كثير من الأحيان، أمَّا الإنسان الذي يعتاد على التبرير والتكيُّف مع التناقضات فيمكن دفعه في أيِّ اتجاه، لذلك فإنَّه قام بتشويه اللغة نفسها حين أعاد تعريف المفاهيم على نحو خطير، فالمنافق صار لبقاً والانتهازي شاطراً، والفرد الذي يرفض الانخراط في الفساد وطأطأة الرأس أصبح ساذجاً ولا يعرف مصلحته، ومع تكرار هذه اللغة وبشكل يومي تسلَّلت هذه المفاهيم على نحو عميق داخل الوعي الجمعي للمجتمع السوري، وهذا بالتحديد ما كان يريده النظام الساقط.
بعد مرور سنوات على تدمير البنية الأخلاقية تحوَّلت الفهلوية إلى جزء لا يتجزَّأ من الحياة اليومية، وصار الناس يتعاملون مع هذه الثقافة على اعتبارها أمراً طبيعياً لا يمكن تغييره
أفسدت ثقافة الفهلوية علاقة الفرد السوري بالسلطة، كما أفسدت علاقته بالناس من حوله، فعندما يعيش المجتمع سنوات طويلة في مناخ يقوم على الخوف والمراقبة والمصالح الخفية تتراجع الثقة بين الأفراد بصورة تدريجية، ويبدأ الجميع ينظر إلى بعضهم بريبة، وتصبح العلاقات قائمة على الحذر والشك وعلى تحقيق المصلحة بالدرجة الأولى. إنَّ هذا التحوُّل الخطير الذي أصاب البنية الأخلاقية للمجتمع السوري دمَّر النسيج الاجتماعي الذي ينبغي أن يقوم على حدٍّ أدنى من الثقة الأخلاقية بين الناس، وحين تنهار هذه الثقة يفقد المجتمع قدرته على التضامن، ويصبح كلُّ فرد منشغلاً بحماية نفسه دون الآخرين، عندها تتراجع المسؤولية الجماعية ويحلُّ محلها منطق النجاة الفردية، فيسأل الإنسان نفسه باستمرار: كيف أخرج بأقل الخسائر؟ كيف أحافظ على مصلحتي؟ كيف أتجنَّب الأذى مهما كان الثمن؟ وبعد مرور سنوات على تدمير البنية الأخلاقية تحوَّلت الفهلوية إلى جزء لا يتجزَّأ من الحياة اليومية، وصار الناس يتعاملون مع هذه الثقافة على اعتبارها أمراً طبيعياً لا يمكن تغييره، ووضعاً سائداً يعدُّ الخروج عنه انحرافاً، وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها أيُّ مجتمع؛ لأنَّ انهيار الحس الأخلاقي يعني فقدان الشعور بقبحه أصلاً.
أخطر ما فعلته ثقافة الفهلوية أنَّها جعلت كثيراً من الناس يعتادون الحياة داخل المنطقة الرمادية، فهم غير قادرين على اتِّخاذ مواقف واضحة، وغير ملتزمين بالحقيقة، وغير مستعدين لدفع أيِّ ثمن للحفاظ على القيم، وهذا ما يجعل مشروع بناء المجتمع السوري مشروعاً هشاً
حين سقط النظام ظنَّ كثيرون أنَّ هذه التشوهات ستختفي تلقائياً، لكنَّ الواقع كشف أنَّ البنية الأخلاقية التي تعرَّضت للتدمير خلال عقود لا يمكن ترميمها بسرعة، فالنظام البائد ترك خلفه عادات ذهنية طويلة العمر قادرة على إنتاج أشكال من السلوك تستمر حتى بعد زواله. لذلك بقيت الفهلوية حاضرة في كثير من المشاهد، وظهرت بأقنعة جديدة داخل الواقع الجديد، بعض الناس غيَّروا خطابهم بسرعة مذهلة، وبعضهم استثمر الفوضى لتحقيق مكاسب شخصية، وآخرون تعاملوا مع الشعارات الكبرى باعتبارها وسيلة للصعود لا أكثر. وهنا تظهر الحقيقة التي لا يمكن التغافل عنها، وهي أنَّ إسقاط النظام كان أسهل من استعادة المعايير الأخلاقية التي سعى إلى تدميرها عبر سنوات طويلة؛ ذلك لأنَّ بناء المؤسسات وإعداد المشاريع يمكن أن يتمَّ بإبرام القوانين وإعداد الخطط، أمَّا بناء الإنسان فإنَّه يحتاج إلى زمن طويل جداً، وإلى مراجعة عميقة لطريقة التفكير والسلوك والقيم التي اعتاد المجتمع عليها.
إنَّ أخطر ما فعلته ثقافة الفهلوية أنَّها جعلت كثيراً من الناس يعتادون الحياة داخل المنطقة الرمادية، فهم غير قادرين على اتِّخاذ مواقف واضحة، وغير ملتزمين بالحقيقة، وغير مستعدين لدفع أيِّ ثمن للحفاظ على القيم، وهذا ما يجعل مشروع بناء المجتمع السوري مشروعاً هشاً، لهذا ينبغي علينا أن نواجه آثار المرحلة السابقة بإعادة الاعتبار للبنية الأخلاقية والاشتغال عليها، في البيت والمدرسة والجامعة والإعلام، لإعادة بناء صورة الإنسان داخل الوعي الجمعي من جديد، حيث يعود الصدق قيمة تستحق الاحترام، وتستعيد الكفاءة مكانتها، ويشعر الناس أنَّ الالتزام بالمبادئ شرط أساسي لقيام مجتمع قادر على الحياة. ولا تعدُّ هذه المهمة سهلة على الإطلاق؛ لأنَّها حرب حقيقية مع آثار الخراب غير المرئي الذي خلَّفه الاستبداد داخل البنية الاجتماعية، ينبغي أن تستمرَّ حتى يستعيد الإنسان السوري ثقته بالقيم الأخلاقية الصحيحة وبنفسه وبالآخرين من حوله.
- تلفزيون سوريا























