عباس إسماعيل
انصب الاهتمام في اسرائيل، هذا الأسبوع، على الموجهات التي شهدتها مدينة القدس المحتلة بين الشرطة الإسرائيلية والمواطنين الفلسطينيين، بعد محاولات المتطرفين اليهود السيطرة على الحرم الشريف، ونظرا للحساسية البالغة التي يتمتع بها المسجد الأقصى، وخطورة التداعيات التي يمكن أن تنجم عن تفاقم حدة المواجهات وخروجها عن السيطرة.
وتبدو القراءة الإسرائيلية، في جانب منها، منطوية على كثير من البراءة المصطنعة تلامس حد السذاجة، لا بل الوقاحة، وذلك من خلال طرح سيل من الأسئلة حول أسباب ما يحصل، في ظل تجاهل مطلق للاعتداءات والاستفزازات الإسرائيلية، الرسمية وغير الرسمية، بحق القدس وسكانها بشكل عام، والحرم القدسي بشكل خاص.
وعليه، إما أن تكون القراءة الإسرائيلية مشبعة بالسذاجة لكون أصحابها لا يدركون فعلا العواقب الوخيمة والتداعيات الخطيرة للاستفزازات الإسرائيلية، وإما أن تكون الوقاحة بلغت مستويات قياسية بحيث بات تحرك الفلسطينيين للدفاع عن مقدساتهم وعن وجودهم وأرضهم، أمرا مستغربا ومُدانا، انطلاقا من الادعاء اليهودي الصهيوني بالحق التاريخي والديني على أرض فلسطين، وتجاهل حقيقة كون إسرائيل قوة احتلال تُخضع بقوة الحديد والنار أصحاب الأرض الأصليين.
من هنا، طُرحت العديد من الأسئلة في إسرائيل حول أسباب المواجهات والجهات التي تقف خلفها والغاية المرجوة منها، والسيناريوهات المحتلمة لتطورها. وقد حملت القراءة الإسرائيلية لهذه الأسئلة جملة من الأجوبة، دمجت بين العوامل الدينية والسياسية والاجتماعية وحتى النفسية، وذهبت في اتهاماتها نحو الفلسطينيين وتياراتهم بشكل شبه حصري، مع تجاهل شبه تام لمسؤولية السلطات الإسرائيلية والتيارات اليهودية المتطرفة، فوجهت اللائمة إلى أهل القدس وفلسطينيي 48 ولا سيما الجناح الشمالي في الحركة الاسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح، مرورا بحركة "حماس"، وصولا إلى حركة "فتح" والسلطة الفلسطينية. وتنوعت الغايات المرجوة من التحرك الفلسطيني ضد الاعتداءات والاستفزازات، بحسب القراءة الإسرائيلية، بتنوع الجهات الفاعلة والمؤثرة، وبرزت أيضا خشية إسرائيلية واضحة من مغبة تطور الأمور نحو الأسوأ، وخروج المواجهات عن السيطرة، وصولا إلى تحذير البعض من اندلاع انتفاضة ثالثة، خصوصا وأن آثار انتفاضة الأقصى، التي انطلقت شرارتها من المسجد الأقصى أيضا، لا تزال ماثلة في أذهان الكثيرين، ومن شأن تجددها إدخال المنطقة في نفق مجهول في هذه المرحلة الحساسة.
تحرص القراءة الإسرائيلية للمواجهات الأخيرة على التأكيد بأن المسؤولين الإسرائيلين غير معنيين بتاتا بتفجر الوضع في القدس، نظرا للحساسية السياسية والأمنية والدينية، ومن هذا المنطلق تسأل عن الدوافع التي تجعل الفلسطينيين يخرجون " فجأة الى حرب على القدس".
في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، ثمة من يعتقد في إسرائيل، وهم كثر، بأن ما يجري مدينة القدس، يقوم على احساس باليأس في اوساط الفلسطينيين، النابع من عدة مصادر أهمها فشل المفاوضات بين الطرفين، في موازاة توقف المقاومة في الضفة والقطاع، ما يعني شطب كل خيارات العمل من ناحية الفلسطينيين. يُضاف إلى ذلك خيبة الأمل الفلسطينية من الرئيس الأميركي براك أوباما، الذي مثل صعوده بصيص نور لدى قسم منهم في ضوء مطالبته إسرائيل تجميد الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية، والتراجع الذي أصاب الموقف الأميركي، الأمر الذي ضيّق إلى حد كبير هامش الخيارات الفلسطينية.
وما زاد من حدة اليأس الفلسطيني، وفقا للقراءة الإسرائيلية: خضوع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للضغط الأمثركي والإسرائيلي وموافقته على التنازل عن طلبه بجر اسرائيل الى المحكمة الدولية في لاهاي استنادا إلى تقرير غولدستون. فبعد أن علق العديد من الفلسطينيين أملا على عرض جرائم حرب اسرائيل على الملأ، تفاجأ الفلسطينيون بقرار السلطة الفلسطينية سحب طلبها من جدول الاعمال واعفاء اسرائيل من العقاب.
ويقرأ كثير من المراقبين والسياسيين في إسرائيل، موقف السلطة الفلسطينية من أحداث القدس، من بوابة تقرير غولدستون تحديدا. ويرى هؤلاء أنه ثمة صلة وثيقة بين أحداث القدس وبين الإحراج الكبير الذي وقعت فيه السلطة الفلسطينية ورئيسها وحركة فتح على خلفية طلب السلطة سحب طلب مناقشة تقرير غولدستون في مجلس حقوق الانسان. والاعتقاد السائد بين الأوساط الإسرائيلية هو أن السلطة الفلسطينية تحاول حرف الأنظار عن الخطأ الذي ارتكبته، وإزاحة الموضوع عن جدول الأعمال، من خلال تأجيج وإثارة الوضع في القدس، والدعوة إلى إعلان يوم الجمعة يوم غضب فلسطيني والدعوة إلى المشاركة في فعاليات هذا اليوم. ومع ذلك تعتقد الأوساط الإسرائيلية أن السلطة الفلسطينية غير معنية بتصعيد كبير للأوضاع في القدس، لا سيما في ضوء حالة الارهاق التي يعاني منها الشعب الفلسطيني والتي يقابلها تحسن الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية. لكن هذا الأمر الذي لا ينطبق بالضرورة على الجهات الفلسطينية الأُخرى، الفاعلة والمؤثرة أيضا في تطور الأوضاع في القدس، لا سيما حركة "حماس"، التي تبدو معنية كثيرا، وفقا للقراءة الإسرائيلية، في تصعيد المواجهات والتحركات ودفع الأمور بغية إيصالها إلى حافة الانتفاضة الثالثة.
وعلى الرغم من أن التقدير السائد في إسرائيل يستبعد حتى الآن سيناريو اندلاع انتفاضة ثالثة، إلا أنه ثمة من يحذر من أن الرياح الفلسطينية قد لا تجري بما تشتهي السفن الإسرائيلية، استنادا إلى قائمة اللاعبين، وهم كُثر، التي تضم إضافة إلى الحركة الاسلامية وحركة "حماس" وحركة "فتح" ورجال دين فلسطينيين داخل فلسطين وخارجها، إضافة إلى رجال دين مسلمين بارزين في العالم الاسلامي، وعلى رأسهم الشيخ يوصف القرضاوي؛ واستنادا أيضا إلى الظروف السياسية التي تذكر بأيام ايلول 2000، عشية اندلاع انتفاضة الأقصى، والتي تتمثل في مفاوضات عالقة، وخيبة أمل كبيرة للجمهور الفلسطيني من السلطة الفلسطينية، وتصدر الحرم القدسي بؤرة الصراع مع إسرائيل مجددا.
"المستقبل"




















