يعرّف ماكس فيبر الحداثة بأنها الدهرنة الشاملة للحياة والفكر، أما هايدغر فيعتبر أن جوهر الحداثة هو العلم والتقنية بما تعنيه هذه من أداتية وسيطرة وإضفاء تعسفي للعقل، وذاتية تحقق تملك الإنسان للطبيعة وسيطرته على التاريخ والمجتمع. إن الانتقال الى الحداثة معناه الانتقال المستمر والتدريجي من الساكن إلى المتحول، من الماهيات إلى الظواهر ومن ظلم الطبيعة إلى معايير الثقافة، ومن الأسطورة إلى التاريخ ومن البرهان النقلي إلى البرهان العقلي التجريبي. يعالج هذا الكتاب مجموعة مقالات وموضوعات ومفاهيم متنوعة، فلسفية تاريخية كفلسفة اللغة والبنيوية والفرويدية وقضايا الذات والحداثة والإيديولوجيا واجتماعية كالهوية والوحدة والعنف والشباب والتقنية والتخلف. لقد حدثت تحولات فكرية كبرى وثورات في مجال الفلسفة والعلوم وطرحت تحديات جمة كوضع الأفكار على مشرحة النقد والمراجعة وإعادة صوغ المفاهيم على أسس جديدة. ففي مجال علم النفس أحدثت الفرويدية انقلاباً جذرياً في تشريح البناء النفسي وتحديد الدوافع والرغبات لدى الإنسان من الطعام والجنس إلى غرائز الحياة والموت.
وأهم اكتشاف للفرويدية هو نظرية اللاشعور والتي تمثل الجانب المظلم من النفس التي تحتوي على المكبوت من الرغبات والغرائز. ومدرسة التحليل النفسي التي تعتمد على التداعي الحر تعد من أهم عطاءات النظرية الفرويدية.
أما مفهوم الاستلاب فيختلف بتحديداته من روسو الى هيغل وماركس، وإذ هو وصف انعكاس انفصال الإنسان عن الطبيعة عند روسو، يكون بانفصال الفكر عن ذاته عند هيغل، الى استلاب ايديولوجي وسياسي واقتصادي عند ماركس. أما نظرية التشيؤ فتقول بفيتيشية السلعة وتحولها إلى أشياء مستقلة عن أهدافها والاستلاب كمدلول فلسفي يستعمل بمعنى الاغتراب. إن الاكتشاف التدريجي لثراء ولا نهائية أشكال التعبير في اللغة العادية وتنوع أنشطة واستعمال اللغة عند فيغنشتين الذي دعاها "لُعَب اللغة" كما عند دوسوسير فهي حصيلة التطور الذي حصل في المنطق. أما اللسانيات والأنتربولوجيا فكانت ثورة لغوية قلبت العلاقة بين اللغة والفكر.
أما مفهوم الحداثة كما يراها المؤلف فإنه يتجلى في التطور والتعدد والتفتح وهي: حداثة سياسية تكون بإشتراك المجموعات الإجتماعية في العمل السياسي، حداثة مجتمعية تتميز بالانتقال من أنماط سلوك تقليدية الى علاقات تقوم على الموقع الطبقي والدور الإنتاجي، أما الحداثة الفكرية فقد أخذت مكانها في ميدان العلوم الإنسانية من الماركسية والتحليل النفسي إلى اللسانيات والأنتربولوجيا والسيمولوجيا. أما الهوية الثقافية والتي تقاذفت عناصرها رياح العولمة والتي أدت بالمجتمعات التقليدية الى التمسك بالموروث الثقافي، فمكوناتها هي محط استعمال ضمن الصراع الاجتماعي، وخطاب الهوية يعكس التوتر الاجتماعي بين سلطة وسلطة مضادة.
وفي مفهوم الوحدة يعرض الكاتب للظروف التاريخية الداخلية والخارجية والحضارية والثقافية التي تعترض سبيلها وتقف في وجه تحقيقها وفي إزاحة المعوقات السياسية والثقافية والاجتماعية وذلك عبر فهم حقيقي للمشكلات مثل التخلف والنمو والتفاعل والدينامية، أما التعدد الثقافي في بلد معين هو إغناء وثراء للمجتمع من حيث قيمته التبادلية والحضارية، أما بصدد المشاكل والإخفاقات التي اعترت المجتمع العربي وخاصة بعد النكسة وشكلت صدمة للجماهير العربية ولا سيَما المثقفين منهم، فذهب هؤلاء كل حسب رأيه إلى تفسير ما جرى وشرح الأسباب والبواعث التي أدت الى هذه النتيجة الكارثية فرأى المفكر برهان غليون أن السبب يعود الى غياب الديمقراطية وإن عدم اشتراك الجماهير في العملية السياسية أدى الى ظهور أنظمة استبدادية تقوم على النهب والإفقار والقهر، وقصور نشاطات الحياة على النشاط الأولي البدائي ورأى أن الحل يكمن في إرساء الديمقراطية وإعمال العقل في البحث عن المشكلات والحلول. أما سؤال الهوية فيكون بتحقيق ذات عربية إبداعية منفتحة مع العصر والتطور، وإن موقفه ليس مع الحداثة ولا مع التقليد بل مع التوتر المبدع والجدل التاريخي مع نقد لاذع للتحديث المدمر وللتقليد المفقر.
ومن موضوعات الحداثة ظاهرة العنف المتفشية في كثير من المجتمعات والتي لها أسبابها النفسية والثقافية والاجتماعية، فالعنف متأصل في النفس البشرية حسب فرويد ـ الذي يرى أن الإنسان يختزن قدراً كبيراً من العنف والعدوانية. أما هيغل فيرى أن الصراع والعنف هما محرك التاريخ بينما يرجع الماركسيون العنف الى الصراع الاجتماعي والملكية الخاصة. وفي المجتمع المعاصر أصبح العنف أمراً واقعاً في الحياة اليومية ثم هناك العنف الرمزي ووسائله المتعددة من أجهزة الاتصال الجماهيري إلى صناعة وتكييف الرأي العام.
ومن أبرز مظاهر الحداثة وأكثرها سيطرة على الطبيعة والإنسان هي التقنية والتكنولوجيا، فبواسطة وسائل الإعلام وأدوات التحكم التي تمتلكها أصبحت حياة الإنسان تدور في مجالاتها كافة والتكنولوجيا ليست فقط آليات وأدوات بل تمثل قيماً وثقافة، إنها رؤية للعالم ومعنى للحياة. ومن موضوعات الكتاب: التخلف وتعثرات الحداثة العربية وتحت عنوان "نحو تجاوز المنظور الاختزالي للتخلف" يرى الكاتب أن للتخلف أبعاداً أخرى غير البعد الاقتصادي، فالتخلف ليس فقط تخلفاً اقتصادياً بل هو تخلف اجتماعي وتاريخي وفكري، فالمجتمعات العربية لم تشهد التحولات الكبرى التي عرفتها المجتمعات الحديثة كالاكتشافات الكبرى وعصر الأنوار لذلك فإن البحث عن أسباب التخلف يتجه الى البنيات الداخلية لهذه المجتمعات حيث تسود العلاقات السلطوية وقيم الأسرة والقرابة أما العنصر المسكوت عنه فهو التخلف الفكري الابستمولوجي والإيديولوجي.
أما الحداثة في العالم العربي فحداثة مبتورة لأنها اصطدمت بالبنيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية العتيقة وبالرغم من جوانب التحديث التي طالت المجتمع العربي فقد ظلت معطيات الحداثة تتداخل مع معطيات التراث، ما جعل منها حداثة هجينة. إن تعثرات الحداثة واخفاقاتها المتلاحقة في المجتمع العربي شيء ناتج عن طبيعة أشكال الرفض والمقاومة الشعورية واللاشعورية للحداثة.
[ الكتاب: مدارات الحداثة
[ الكاتب: د. محمد سبيلا
[ الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت 2009
المستقبل




















