لست اعلم هل القيادة عند الطرفين – في اسرائيل او في السلطة – صادقة في تصريحاتها عن رغبتها القوية في التوصل الى اتفاق سياسي. مع ذلك، لست اجدد شيئا بقولي انه لا يوجد احتمال من طريق التفاوض بين الطرفين على الخلافات، ولا احتمال لمصالحة وتنازلات لن يحرز الحل بغيرها. حتى عندما تظل تفصيلات المحادثات التي تجرى سرية، فان مجرد العلم بوجودها وبالموضوعات المطروحة في جدول العمل – يكفي لانشاء ضغوط سياسية عظيمة – على حكومة اسرائيل وعلى الجانب الفلسطيني – لا تمكّن القيادة القائمة من التقدم.
مع فرض انه توجد رغبة حقيقية في التوصل الى اتفاق حيوي فإن ذلك يحتاج الى محادثات سرية تماما، بريئة من كل ضغط عام، محادثات يعلمها الجميع فقط عندما تنضج لتصبح مسودة اتفاق. توصلت اسرائيل الى ثلاثة اتفاقات سياسية – مع مصر ومع الاردن ومنظمة التحرير الفلسطينية فقط عقب محادثات ومفاوضات سرية تماما.
في مدى عشر سنين، منذ حرب الايام الستة الى زيارة السادات للقدس، جرت مفاوضات مكشوفة بين الجانبين. عرفنا وسطاء اجانب على هذا النحو او ذاك، لكن الضغط العام منع امكان استنفاد التفاوض، ومنع احراز تفاهمات ومصالحات كانت حيوية للاتفاق. تم احراز التغيير في اعقاب الانقلاب في انتخابات 1977، عندما انتخب مناحيم بيغن لرئاسة الحكومة وعندما تولى موشيه دايان منصب وزير الخارجية. ان المحادثات السرية التي اجراها دايان هي التي هيأت لمبادرة السادات ولاتفاق السلام. واحرز اتفاق السلام مع الاردن هو ايضا بعد سلسلة طويلة من اللقاءات السرية بين ملك الاردن ورؤساء حكومة اسرائيل. هذه اللقاءات انشأت الثقة المتبادلة، والتفاهمات، وعندما نشأت القاعدة الملائمة، اصبح ممكنا الخروج من الظلام الى النور والتوقيع على اتفاق السلام. وكان المثال المتطرف هو اتفاق اوسلو. ففي اواخر 1991، على اثر مؤتمر مدريد، بدأ في واشنطن التفاوض المباشر بين الوفد الاسرائيلي والممثلية الفلسطينية. كانت تلك محادثات عقيمة ليس فيها اي احتمال للتغلب على الفروق والخلافات. في مقابل ذلك، وبسرية تامة، اجرى فريق اسرائيلي محادثات مباشرة في اوسلو مع ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية. في آب 1993 أحرز الاختراق والاتفاق الذي وقع بعد ذلك بأسابيع، في مراسم احتفالية على حشائش البيت الابيض. كانت تلك الحكومة الاسرائيلية نفسها التي وجهّت التفاوض العقيم الذي اجراه الياكيم روبنشتاين مع الممثلية الفلسطينية برئاسة الدكتور حيدر عبد الشافي، والتفاوض الذي اجراه أوري سافير ويائير حرشفيلد ورون بونداك مع أبو العلاء في اوسلو.
ان ما ميز التفاوض المكشوف هو عدم المرونة من الطرفين، في حين مكنت سرية محادثات اوسلو من المرونة والفحص عن مقترحات جريئة. اخشى ان يكون الخوف من التسرب وعدم الجرأة يصدان عن السير في هذا الطريق الذي هو الوحيد الذي قد يقربنا من اتفاق.
"معاريف"
ترجمة "المصدر" – رام الله
النهار




















