رام الله – من محمد هواش:
تعرضت مهمة المبعوث الاميركي الخاص للسلام الى الشرق الاوسط جورج ميتشل لضربة قوية نتيجة تبدد الآمال في امكان معاودة مفاوضات الحل النهائي، وزيادة وتيرة الاستيطان في القدس وفي محيطها الفلسطيني، وتراجع التأكيد الاميركي ان وقف الاستيطان شرط لضمان معاودة المفاوضات، الامر الذي يضعف اي صدقية للادارة الاميركية اذا اجبرت اسرائيل على معاودتها.
صحيح ان الرئيس الاميركي باراك اوباما تلقى جائزة نوبل للسلام ( أي سلام؟) لمساهمته في اصلاح العلاقات الدولية، وصحيح انه عاود تأكيده السعي الى اقامة دولة فلسطينية مستقلة متواصلة جغرافياً وقابلة للحياة في خطاب جماهيري. بيد ان هذه الخطابات لا تقرب الفلسطينيين من الامل بانهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال في دولة على حدود 1967، لان اسرائيل ترفض حتى اليوم اطلاق مفاوضات لانهاء الاحتلال، وتريد التوصل الى تفاهمات مع الفلسطينيين تحاكي المرحلة الانتقالية للتسوية من غير أن تتوجه الى مضمون التسوية التاريخية في حل الدولتين.
وصحيح ايضا ان رفض اسرائيل اطلاق مفاوضات في شأن قضايا الوضع النهائي ومواصلتها فرض الوقائع على الارض استيطاناً في القدس لتهويدها وفي الضفة الغربية ايضا، وعزلاً للفلسطينيين وتهميشاً لهم ولقوتهم المعنوية في المحافل الدولية صارت عنوانا لنزع الشرعية عن الرئيس محمود عباس وما يمثل بتكرار المعزوفة الاسرائيلية "غياب شريك فلسطيني للسلام". وتشارك الصحافة الاسرائيلية في حملة منهجية ضد الرئيس عباس من طريق بث وقائع جزئية ومعلومات من خارج سياقاتها السياسية والزمنية لاضعافه فلسطينياً، وتاليا اضعاف مكانته الدولية اذ تمكن باعتداله المبالغ فيه من تطويق اسرائيل على المستوى الديبلوماسي قبل انفجار قنبلة تقرير رئيس مهمة الامم المتحدة لتقصي الحقائق حول حرب غزة ريتشارد غولدستون في مجلس حقوق الانسان وتداعياتها الخطيرة داخليا وخارجيا، اذ عرضت اسرائيل تأجيل التقرير باعتباره ثمرة تعاون اميركي – فلسطيني.
ويرى فلسطينيون كثر ان الرئيس عباس اخطأ في التقدير بموافقته على ارجاء مناقشة التقرير قبل معاودة طلب مناقشته والبحث في امكان احالته على الامم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة المسؤولين الاسرائيليين ، لكن خطأ التقدير شيء والتعاون مع واشنطن شيء آخر. اضف ان التهم التي وجهت الى عباس هي شيء جديد تماما، لان المصالحة الفلسطينية التي كانت مقررة بعد اسبوعين باتت مستبعدة بعد ارجاء التقرير، وربما تكون زالت من جدول الاعمال. وقد ركبت حركة المقاومة الاسلامية "حماس" موجة ارجاء التقرير للتنصل من كل التزاماتها الفلسطينية، من طريق مشاركتها اسرائيل والولايات المتحدة في اضعاف الرئيس عباس داخليا، واضعاف امكان معاودته حملة ديبلوماسية لتطويق اسرائيل في مناخ دولي ايجابي ومتغير اكثر نحو تفهم الفلسطينيين ومطالبهم. وقد يمهد تجريد الرئيس الفلسطيني من اعتداله المحرج لنزع الشرعية عنه واضعاف أي بديل فلسطيني جدي اليوم يمكنه ملاحقة اسرائيل على جرائمها في غزة التي اشار اليها تقرير غولدستون، وعدم تمكينه تالياً من تشكيل سابقة دولية تطاول جرائم الحرب ومرتكبيها في الحلبة الدولية.
ومعلوم ان الرئيس عباس تلقى دعوة رسمية من الرئيس المصري حسني مبارك لتوقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية في 25 تشرين الاول الجاري من دون توافر اشارات قوية الى امكان موافقة "حماس" على المصالحة. فهي طلبت تأجيل هذه المسألة، ومن غير المعروف، اذا كانت مصر ستقبل بذلك وماذا ستفعل بجهودها المتواصلة بعدما وصلت الى نقطة حسم مهمة في بيئة عربية توافقية الى حد ما بعد الزيارات المتبادلة بين العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الاسد .
المصالحة التي لاحت في الافق كان يمكنها ان تقوي الفلسطينيين جميعا لا الرئيس عباس وحده. لكن تراجع واشنطن عن شروط اطلاق مفاوضات جدية لانهاء الاحتلال اضعفته واضعفت معه جميع الراغبين في اجراء المصالحة وقوت الاتجاهات المتشددة في الجانبين التي لا تريد المصالحة الان. وثمة في الجانبين اتجاهات تريد للمصالحة ان تتم اليوم قبل الغد ، واخرى لا تريدها مما يعني ان "حلف" المتشددين هو الذي يكسب من تراجع واشنطن.
وفي اسرائيل اليوم حكومة لا تريد ان ترى نفسها تفاوض لانهاء الاحتلال، بل تريد عملية علاقات عامة تبرر طلبها من واشنطن عدم القبول والسماح بملاحقة اسرائيل امام المحاكم الدولية على جرائم الحرب التي اشار اليها تقرير غولدستون، حتى لا تطاول جهات اخرى ، في الوقت الذي تطالبها واشنطن بمعاودة المفاوضات والاستعداد لاستحقاقاتها، أي وقف الاستيطان.
الرئيس عباس هو الخاسر الاكبر من تراخي واشنطن ومن تراجع الامل، لان عرض صورة له تظهره متعاوناً مع الولايات المتحدة واسرائيل في تأجيل مناقشة التقرير، لن يسمح بمعاودة المفاوضات.
من الواضح ان ادارة الرئيس اوباما اصطدمت بعقبة ثبات السياسة الخارجية الاميركية على علاقة استراتيجية مع اسرائيل لا تهزها آراء اجتهادية لميتشل او آراء لأوباما لم يثبت بعد انها غير "ساذجة"، ولا تكفي الاشارة الى صعوبات في التوصل الى سلام في الشرق الاوسط للتوصل الى مواقف مغايرة.
فالميدان هو سيد اللعبة لا المنابر. والامل ضعيف جدا في قلب هذه المعادلة.
"النهار"




















