منذ بداية ظهور حركة التصوف الإسلامية، انجذب أصحابها بقوة إلى القدس، لما حملته تلك المدينة في المخيال الاجتماعي الإسلامي، وفي الضمير الإسلامي من معانٍ عميقة للقداسة، دعاهم إلى الارتحال إليها، للتبرك في مشاهدها، ورموزها المبجلة. ولم يتفرد المتصوفة في هذا التقرب إلى بيت المقدس، وإنما أعطوا لتقربهم هذا سمات خاصة، عكستها طريقة فهمهم الخاصه لمعاني القداسة التي حملها الإسلام تجاه القدس، والطرائق الطقسية التي مارسوها في أرباطهم حول الأماكن المقدسة في القدس، وخاصة حول الصخرة الشريفة، التي ارتقى (عرج) النبي من فوقها إلى سدرة المنتهى. إذ أضاف هؤلاء المتصوفة للمنظومة الجغرافية المقدسة الإسلامية، التي تتكامل فيها القدس مع مكة والمدينة، إليها معان ورموز خلاقة، وذلك تبعاً لطريقتهم، التي استهدفت "الكشف" والاتصال بالتعالي، فرأوا في القدس وفي المسجد الأقصى، وبشكل خاص الصخرة الشريفة، بوابة الاتصال بالسماء .
وباستثناء تلك المعاني الخاصة، والطقوس المتمحورة حولها، التي ابتدعها المتصوفة، كانت هناك قاعدة من الرموز المقدسة اشترك فيها المسلمون، شكلت جزءاً من ضميرهم الديني الإسلامي دعاهم جميعاً لتبجيل القدس، وإلى التقرب منها للتبرك في مشاهدها المقدسة، لهذا تقاطر الصحابة والتابعون والأتقياء، ومن استطاع من عامة المسلمين، لزيارة القدس .
لقد جذبت المرويات الإسلامية حول قداستها خيال الصوفية، وبالأخص رمزية الإسراء والمعراج، التي ربطت بين عقائد التوحيد من ديانة ابراهيم الخليل حتى محمد (صلعم)، وأشارت بإحدى دلالاتها إلى معانٍ قدسية هائلة للمسجد الأقصى ، إذ انفتح عليه درب الاتصال على السماء، فأذهل هذا المعراج / المعجزة خيال المتصوفة المسلمين لاحقاً، فباتوا يتقاطرون إلى القدس للتبارك، لمحاولة استعادة، ولو من الدرجة الثانية، للحظة العروج تلك، والتي مثَّل فيها النبي (صلعم) دور (القطب) بين الرمادي واللهب القدسي. وصارت لقصة الإسراء والمعراج إيحاءاتها الأكثر تجسداً بعد أن بنيت قبة الصخرة في العهد الأموي، وارتفعت شاهقة، تظلّل الصخرة التي عرج من فوقها النبي، فانجذب المتصوفة المسلمون إلى جوارها، وتحلقوا حولها .
فلقد أذهلت الصوفيين فكرة ،أن القرآن "كلام الله"، فخاضوا محاولة استرجاع اللحظة التي بلَّغ فيها جبريل هذا الكلام للنبي (صلعم) وقد عبَّر الإمام جعفر الصادق عن هذه التجربة، حيث يروى عنه أنه خرَّ مغشياً عليه وهو في الصلاة، فسئل عن ذلك، فقال: "ما زلت أردد الآية حتى سمعتها من المتكلم بها"، وبالتوازي مع هذه التجربة مع "كلام الله"، فإن الكثير من الصوفيين الذين انبهروا بلحظة (الإسراء والمعراج) جربوا، وهُم يدورون حول الصخرة وتحت قبتها، استرجاع لحظة الإسراء والمعراج النموذج الأصيل لخبرتهم الروحانية الخاصة، حيث رأوا كيف فقد محمد (صلعم) ذاتيته وهو منتشٍ في الحضرة الإلهية، ورأوا في ذلك "الفناء" مقدمة لـ"بقاء" تسمو فيه الإنسانية سمواً تحقق فيها ذاتها، فهرع الصوفيون إلى القدس، متخذين من أروقة الأعمدة على الرصيف المتحلق حول الصخرة مسكناً، كي يُتاح لهم تأمل رموز القبة التي ابتدأ منها الرسول معراجه. كما رغب الكثير من الصوفية أن يُدفنوا في بيت المقدس، طالما أن القدس أقرب نقطة من الأرض إلى السماء، وهي أرض المحشر والمنشر، والموت فيها يعادل الموت في السماء، حسب بعض الأحاديث النبوية .
ولقد تقاطر إليها أثناء الفتح وبعده الكثير من الصحابة والتابعين وفي طليعتهم الخليفة الثاني عمر وأبو عبيدة وسعد وأذّن فيها بلال، ومنهم الزهاد وأهل الصفّة، الذين يُعتبرون بشائر الصوفية، ولقد حرصت كتب التاريخ الإسلامي، وكتب "فضائل القدس" على ذكر الصحابة والتابعين، الذين زاروا القدس، أو ماتوا فيها، للتبرك في زيارتها، أو للدفن فيها .
يقف في مقدمة الزهاد، وأهل الصفّة، الذين حرصوا على زيارة بيت المقدس، أبو ذر الغفاري، ومعاذ بن جبل، وعياض بن غنم، وعبد الله بن سلام، وأبو هريرة، وأبو مسعود الأنصاري، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وتميم الداري.
ويذكر مؤرخو الصوفية أنه قد زارها أبرز أعلام الصوفية في القرن الثاني الهجري ـ الثامن الميلادي، رابعة العدوية، وسفيان الثوري والليث بن سعد، والفضل بن عياض، وابراهيم بن الأدهم، ويحيى بن دينار، وسعيد بن المسيب، ويضمون إليهم الإمام الشافعي لأنه صحب الصوفية سبعة عشر سنة من عمره، وكذلك الإمام الأوزاعي للسبب نفسه، وعندما نتفحص سيرة هؤلاء الذين أرسوا أسس التصوف الإسلامي، نجد أن أغلبهم حرص على زيارة بيت المقدس، للتبارك في رموزها.
امتزج التصوف الإسلامي في القرن الثالث الهجري ـ التاسع الميلادي، بالفلسفة مع معروف الكرخي، وسري السقطي، والجنيد، وذي النون المصري وسعيد الإفريقي، وصالح بن يوسف، ومحمد بن كرام، ومما له دلالته عن تعلق الصوفية بالقدس هو حرص أغلب هؤلاء الأعلام على زيارتها، وأتى بيت المقدس محمد بن كرام ( ت 255هـ ): الذي تُنسب إليه طريقة الكرامية الصوفية، للتبرك بها، وواصل التعبد في مسجدها، وأقام فيها الإمام الغزالي ( 505هـ ) ما يقارب العشر سنوات قضاها في التعبد .
كما ازدادت جاذبية القدس بعد الغزو الصليبي، وما أعقبه من استرجاع المسلمين لها، ورواج أدب "فضائل القدس" الذي جمع فيها كل ما قيل فيها من القرآن ومأثور، فأصبح الصوفية أيام صلاح الدين "ملوك هذه البلاد" كما قال ابن جبير، إذ ازدادت مكانتهم الاجتماعية، ودورهم الديني والثقافي، أثناء الأزمة الروحية التي صاحبت الغزو المغولي والصليبي، فكثرت زواياهم ورباطهم وخوانقهم، وتدفقت عليهم الهبات، والأوقاف، وصار للتصوف مكانة كبرى في هذا العصر، الذي ظهر فيه في أقصى المغرب ابن سبعون(ت669 )، وفي أقصى الشرق، في بغداد، ظهر عبد القادر الكيلاني (ت 561) وأحمد الرفاعي (ت 578)، فكان العهد الأيوبي، الذي وجد قطبه الديني في القدس، مرحلة انتقالية نحو تنظيم الصوفية في طرق، وأقطاب ومريدين، والذي غدا في العهد المملوكي كتنظيم الدولة سواء بسواء.




















