في عشرين كانون الثاني 2010، سيجتمع مجلس الامن لإجراء تصويت دراماتيكي. بعد ثلاثة اشهر من بدئها، وصلت المفاوضات بين الولايات المتحدة وايران الى اتفاق اولي ايجابي. ايران تتنازل في الواقع عن مشروعها النووي وتنقل تخصيب اليورانيوم بصورة دائمة إلى جهة خارجية. كل منشآتها تفتح للرقابة الدولية الكاملة. الخطة العسكرية تُجمد.
الان يصل هذا الاتفاق الى مصادقة الهيئة الدولية الاعلى مجلس الامن. لشدة المفاجأة الخطة تشمل جزءا اضافيا: بحسب هذه الخطة، لا يتم تجريد ايران وحدها من الذرة، وانما يتم الاعلان عن الشرق الاوسط كله كمنطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل، وهذا الإطار يضم اسرائيل أيضا. لهذا السيناريو تتنازل اسرائيل عن سلاحها النووي وتضع منشآتها رهن الرقابة الدولية.
هذه هي الصفقة ولا صفقة من دونها. كان هذا الشرط الإيراني وقد وافق الأميركيون عليه. لعشرات السنين غطى الأميركيون سياسة الغموض النووي الإسرائيلية، وأعطوها مظلة ديبلوماسية تلقائية، إلى أن توصلوا إلى خلاصة مفادها أن هذا الأمر يجب أن يتوقف.
الاعضاء العشرة المؤقتون في مجلس الامن يصوتون مع القرار. الصين وروسيا وبريطانيا مع القرار ايضا. فرنسا تمتنع عن التصويت. الولايات المتحدة تمتنع. ليس هناك فيتو. القرار يمر بأغلبية كبيرة. صدمة كبيرة في القدس وفي الشرق الاوسط وفي العالم كله. الولايات المتحدة باعت اسرائيل حتى تشتري ايران. التدهور في العلاقات بين واشنطن والقدس، الذي بدأ من اليوم الاول لدخول بنيامين نتنياهو وباراك اوباما الى منصبيهما، يصل الى ذروة لم يشهدها من قبل.
يتعلق الأمر، طبعا، بسيناريو خيالي يستند إلى تقارير اجنبية. هذا السيناريو مفصل في مقالة نشرت هذا الاسبوع في "وول ستريت جورنال" بقلم بريت ستيفانز نائب محرر صفحة المقالات في الصحيفة، والذي عمل سابقا محررا للـ"جيروساليم بوست". وهو صحافي جدي وخبير جدا في المحور الحساس القائم بين القدس وواشنطن. ما هي فرص تحقق هذه الصفقة على ارض الواقع؟ منخفضة الى معدومة. يدور الحديث عن سيناريو رهيب ذي مغزى دراماتيكي. الاميركيون جددوا منذ مدة غير بعيدة، وفقا لتقارير مختلفة، التفاهمات الضبابية مع اسرائيل في مواضيع مختلفة.
في الجبهة الثانية، جبهة المفاوضات السياسية مقابل الفلسطينيين سُجل جمود. وحتى زيارة ميتشل الحالية لن تغير شيئا. لا يتوقع حدوث اختراق. مشكلة حكومة نتنياهو ليست الجوهر، وانما الطريق. حتى إن أنزلوا ادارة اوباما عن الشجرة فليس هناك اي سبب للاحتفال. من الممكن ازالة الابتسامة عن الشفتين. صحافيون اجانب يفيدون عن فرحة حاشية رئيس الوزراء في فندق "وولدوف استوريا" وعن حقيقة ان اسرائيل قد لقنت اوباما درسا.
بالفعل لقد كان هناك تصفيق عاصف. خسارةٌ اننا لم نتعلم الدرس من كل تلك المرات التي لقنا فيها الاخرين الدروس. يدور الحديث عن رئيس الولايات المتحدة الذي سيبقى معنا هنا حتى كانون الثاني 2013. السؤال ان كنا سنبقى هنا نحن معه ايضا. لماذا نحوله إلى عدو؟ يتبين ان الأمر يتعلق بنمط سلوكي اسرائيلي منهجي. ليس مع اوباما فقط وانما مع ابو مازن ايضا.
رئيس السلطة الفلسطينية يعاني من مشكلة صعبة. رئيس الدولة شمعون بيريس يحذر، في المحادثات الخاصة التي اجراها في الاسبوع الاخير، من امكانية انهيار ابو مازن. ان واصلنا هذه السياسة، يقول بيريس، فإن انهياره قريب. بيريس يعرف ان لاسرائيل دورا كبيرا في الهبوط الحالي الذي يعاني منه الشريك الوحيد الموجود لاسرائيل الان. وبالمناسبة، لأميركا ايضا.
من الذي يعرف بماذا فكر السفير الاسرائيلي في مؤسسات الامم المتحدة في جنيف، عندما نشر بيانا جاء فيه ان السفير الفلسطيني في مؤسسات الامم المتحدة هو الذي نقل بشارة سحب التصويت على تقرير غولدستون. ما الذي فعلناه لابو مازن في الواقع؟ ركلناه في وضح النهار وفي منتصف الغابة.
عندها جئنا نحن. في البداية فرض الاميركيون على ابو مازن التقاط الصورة المهينة مع بيبي في نيويورك. هو تلقى الضربات في الطريق الى هناك وفي العودة ايضا. بعد ذلك جاءت صفقة الشريط المسجل لشاليط واطلاق سراح 21 أسيرة، الامر الذي اوضح مرة اخرى الحقيقة المؤسفة بأن حماس وحدها هي القادرة على توفير بضاعة السجناء الفلسطينيين. وحينئذ جاء تأجيل التصويت على تقرير غولدستون، والأخطر من ذلك، تسليم الفلسطينيين باعتبارهم المسؤولين عن ذلك.
وزير الخارجية افيغدور ليبرمان، الرجل الكتوم في طبعه، امر ممثلي الوزارة بتخفيض مستوى الظهور. وعلى الرغم من أوامره هذه، لم ينجح سفيرنا في جنيف بضبط نفسه وسارع لإخبار الاصدقاء. ما فعله الاصدقاء يمكن ان نراه فوق كل جدار في رام الله وغزة وفي شبكات الاخبار في العالم العربي. يطالبون باستقالة ابو مازن، يطالبون بحرمانه من الجنسية الفلسطينية، ويطاردونه بحرا وبرا وجوا. كل هذا من انتاج الازرق الابيض.
"هو لم يتحمل الاغراء ولم يسيطر على نفسه، هذه ليست طريقة صحيحة للتصرف، هذا كان خطأ سياسيا ودبلوماسيا"، يقول مسؤول في وزارة الخارجية عما حدث هناك مع السفير في جنيف. ليبرمان استشاط غضبا وأمر المدير العام للوزارة يوسي غيل، بتوبيخ السفير توبيخا شديد اللهجة. ولكن المسألة لا تقتصر على السفير. فقد تصرفوا مع ابو مازن مثلما تصرفوا مع اوباما. نحن نسارع للاحتفال والرقص وابداء الغطرسة واخبار الآخرين عن روائعنا. المسألة هي ان كل شيء في حيّنا مؤقت . بعد المعجزات تأتي الاعاجيب، وبعد الاعاجيب يأتي الحساب. وليس من الممكن دائما دفع ثمنه.
الشارع الفلسطيني يرى في سحب تقرير غولدستون خيانة بكل معنى الكلمة، واسرائيل لم تتردد في الإشارة إلى رئيس السلطة الفلسطينية كخائن رئيسي. هذه مسألة لا تقل عن إخفاق وإهمال اجرامي وحماقة مدوية. ثمة من يعتقدون ان هذه عموما مؤامرة مدروسة سلفا. ربما كان هناك في داخلنا اشخاص يريدون ابعاد ابو مازن وتحويل المنطقة كلها الى حماس؟ ذلك لانه في مثل هذا الوضع لا تعود هناك حاجة للمفاوضات ولا حاجة لتجميد اي شيء، ومن الممكن التركيز على الحروب والحروب فقط، اليس كذلك؟.
("معاريف" 9/10/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















