يتعامل بعض الفلسطينيين، وبعض العرب ، مع الأهداف المعلنة للحرب الإسرائيلية على غزة ، وكأنها متحققة لا محال، كالقدر الذي إذا قال كن فسيكون ، حتى يخال للمتابع أن هذا البعض متواطئ ، وليس متفرجا فقط ، رغم أن التفرج في هكذا احوال هو نوع من التخادم الغادر.
وهؤلاء بطبيعة الحال يتظاهرون بالاستياء مما يجري كالآخرين، فهم لا يعلنون ما يبطنون لكن سلوكهم يفضحهم، فهم يحاولون القفز للأمام ، واستباق النتائج ، والتعاطي مع المتداول أمريكيا في البحث عن بديل يناسب الجميع لحكم غزة بعد إزاحة حماس طبعا !
الواقعية السياسية
يحلو لهذا البعض التشدق بالواقعية السياسية، للتغطية على مواقفهم المسبقة والمتهافتة في التعامل مع الحد الأدنى من الأهداف العدوانية، كمسلمات، لا يرغبون بها فقط، وإنما يدفعون لتحقيقها وإشاعتها كنتائج حتمية.
الحرب لم تنته بعد، والمقاومة لم تلق سلاحها ، بل تزداد صلابة ، وتوقع بجنود العدو ومعداته الخسائر المؤلمة ، وكل يوم تصرخ صفارات الإنذار في مدن إسرائيل معلنة عن غارات صاروخية جديدة ، ومع مرور الأيام يتزايد التضامن الشعبي العربي والعالمي بالضد من جرائم الابادة الإسرائيلية ، ومعها تزداد عزلة إسرائيل وحراجة الدول الداعمة لها ، ورويدا رويدا ينقشع الغبار عن أكاذيب ودسائس الرواية الإسرائيلية بخصوص حقيقة ما جرى صبيحة يوم سبعة أكتوبر/تشرين الأول وما تلاها من أحداث، حيث لا مكان فيها للفظاعات والاتهامات الإسرائيلية ، وهنا ينقلب السحر على الساحر ، فإسرائيل تفقد مصداقيتها ، داخليا وخارجيا ، الذي حرق المحتفلين اليهود وسياراتهم واطفالهم ، هو القصف الأعمى لطيران الأباتشي ، وليس مقاتلي حماس ، ومن أهدر دم الرهائن هو الجيش الإسرائيلي ، ومن خرق حرمة المدنيين في المستشفيات والمدارس، هو نفسه من يقصف البيوت على رؤوس سكانها ، وهو نفسه الذي يقطع الكهرباء والماء عن المدنيين.
الجيش الإسرائيلي المسؤول الأول عن كل الجرائم المتواصلة بحق غزة وأهلها ، وهو ذاته وبالاشتراك مع قطعان المستوطنين المسؤولين عن التصعيد القاتل في الضفة الغربية والقدس الشرقية .
رغم كل ذلك لا يرى هذا البعض ضيرا في التجهز لما بعد حرب غزة، حيث يراكم ما يمكن مراكمته من استعدادات لوجستية ومادية ومعنوية، نحو بلوغ الهدف المنشود، وهو موافقة أمريكا وإسرائيل علىأ اعتماده كبديل لقيادة القطاع او في الحد الادنى كطرف في تلك القيادة البديلة !
سيناريوهات تحت القصف
أمريكا تعلن رفضها اعادة احتلال إسرائيل لقطاع غزة، وهي تقترح بالعلن ايضا أن تكون السلطة الفلسطينية هي من يتولى أمر القطاع، ولكن بعد تغذيتها بما يلزم ، وبعد تفعيلها، وتجديد قيادتها.
وهي لا تمانع من وجود فترة انتقالية يكون فيها للأمم المتحدة والدول العربية المعنية دور أولي، وأن يكون للأوروبيين دور نافذ لإعادة إعمار القطاع .
إسرائيل بدورها تحاول ابتزاز الوضع برمته لسحب البساط من تحت أقدام السلطة من جهة ووضع العراقيل العملية أمام حل الدولتين من جهة أخرى.
هذا الحل الذي تذكره الجميع الآن، مخرجا للانسداد الحاصل والعودة بالحالة كلها الى المربع الأول، مربع الانتقال من مرحلة السلطة المهمشة إلى مرحلة الدولة الناقصة ، بانتظار الكمال الذي لن يأتي مادامت أمريكا وإسرائيل تلعبان لعبة تبادل الأدوار من دون حل ملزم بضمانات أممية.
إسرائيل تريد ادارة مدنية للقطاع بإشراف أمني إسرائيلي، وهو الهدف نفسه الذي تريده للضفة والقدس، إدارة مدنية بسيطرة امنية إسرائيلية ، والمبررات هي ذاتها ، حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ، وحتى لو رجعت السلطة إلى غزة ، أليس ممكنا أن يعاد سيناريو غزة إلى الضفة أيضا وهذه المرة باقتتال داخلي فلسطيني فلسطيني وبرعاية إسرائيلية ؟
الحل السحري
الأمم المتحدة وعلى لسان أمينها العام ، أنطونيو غوتريش ، كان واضحا ومخلصا في رده على دعوات تولي الأمم المتحدة إدارة القطاع ، لفترة انتقالية ، حتى يتعافى، ثم تجري ترتيبات الحل السحري، حل الدولتين، حيث أجاب أن الحديث عن ما بعد الحرب على غزة يتطلب الحديث عن ما قبلها، وأن الأفضل هو اعتبار الحرب فرصة للحل ، أي حل الدولتين ، طبعا بعد وقف اطلاق النار وفك الحصار وعودة الرهائن وبإشراف دولي وإقليمي.
بعض العرب يقترحون ما يصب الماء بطواحينهم ، فعندما يجري تداول موضوعة تردد السلطة الفلسطينية في تحقيق اختراق لأزمتها الداخلية ، أو عدم قدرتها على كسب معركة غزة ، يبادر هذا البعض بتسويق فكرة تعيين إدارة مدنية من الغزيين المهنيين والتكنوقراط وبشخصيات مقربة منهم ، وتمادى بعضهم بتسمية من ليس لإسرائيل عليهم فيتو ، كرئيس الأمن الوقائي السابق للسلطة في غزة ، محمد دحلان ، والذي يعتبر غريما سابقا لحماس ، وهو حاليا ينشط في دولة الإمارات التي تسعى لتمكينه من لعب دور سد الفراغ الذي يصعب على السلطة الفلسطينية سده ، وهذا ما قد يعينه على لعب دور أكبر في التغييرات المرتقبة لمرحلة ما بعد القيادة الحالية ، فهو غزاوي وله باع في العمل كقيادي سابق في فتح وقيادي للسلطة في غزة .
هناك من يطرح اسم المناضل مروان البرغوثي، الأسير في سجون الاحتلال، والمعروف بالنزاهة والعصامية والشعبية في أوساط أغلب الفصائل وعلى رأسها، فتح ، وكأن المعضلة تتجسد في الأسماء الملائمة لقيادة ما هو قادم، من دون النظر إلى النهج ومسوغاته، ونجاعة أو فشل الأطر القائمة وبرامجها القريبة والبعيدة !
المجاهرة بسيناريو فشل المشروع الإسرائيلي لاجتثاث حركة المقاومة من أرض غزة ، وبالتالي بقاء المقاومة فيها وتراجع الجيش الإسرائيلي ضمن تسوية توازن يفرض حلا آخر لا يختاره إلا أصحاب الميدان، هو انتصار لغزة وكل فلسطين، وهو دعم حقيقي لصمود غزة والعكس صحيح ، فحماس والجهاد وغيرهما من فصائل المقاومة في غزة هي مكونات أصيلة في الشعب الفلسطيني، ولا يمكن إلغاء دورها برغبة أعداء الشعب الفلسطيني ، وأمام الجميع فرصة سانحة لتحويل مأزق التناقض القائم ، إلى فزعة للتلاقي على قاعدة منظمة التحرير دون إقصاء واحتكار وتعال، والتسليم بإرادة الناخب الفلسطيني داخل الضفة والقطاع، لتكون السلطة ممثلة فقط لتلك الإرادة، وهي تتغير مع كل دورة انتخابية.
أما منظمة التحرير فهي الإطار الاستراتيجي الأشمل، والذي لا ينتهي دوره إلا بحسم الأهداف العليا المتعلقة بحق العودة وإقامة الدولة كاملة السيادة.
إن المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية برمتها ، تفرض على الجميع التواضع أمام التضحيات المهولة للشعب الفلسطيني ، ليرتفع الجميع لمستوى المسؤولية ، ويتسامى على أي خلاف كان، للخروج بصيغة خلاقة لشعب خلاق، لأن تطوير عمل منظمة التحرير الفلسطينية لتكوين قيادة جماعية متضامنة أمر ممكن ، والتغيير الإيجابي ممكن، عندما تتوفر الإرادة الحرة النابعة من صميم المآسي المتلاحقة ، والتي كلفتها شلال لا ينفك من الدماء الزكية لشعب أثبت أنه يستحق الجلال ، وعليه فهو يستحق قيادة تليق به وتلبي رغبته بالوحدة ، قيادة لا تفرط ، وتجمع ولا تفرق ، ولا تساوم ، قيادة تنكر ذاتها لذات هذا الشعب المضحي والوفي لقضيته .
منظمة التحرير الفلسطينية هي المظلة التي تظلل على كل الفصائل الفلسطينية المقاومة وعلى كل المنظمات الشعبية والمهنية والمؤسسات الوطنية المناضلة في الأراضي المحتلة والشتات، وهي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهي كذلك لأنها حركة تحرر وطني تستخدم كل أشكال النضال المتاحة لتحقيق أهدافها المشروعة.
أما السلطة ، فهي وظيفة مؤقتة لا تختزل المنظمة كمرجعية ثابتة وشاملة ، وعليه لا يجب أن تكون المنظمة هي السلطة والسلطة هي المنظمة، لأن السلطة واحدة من الأدوات التنفيذية ، للمنظمة ، وهي تجتهد وتحاسب وتتغير حسب الانتخابات التشريعية في الضفة والقطاع ، أي أن المجلس التشريعي هو الآخر أحد مؤسسات المنظمة التشريعية ، لكننا نرى الآن العكس تماما ، مما يستدعي والحالة الراهنة ، حالة الشلل المتزامنة مع حرب الإبادة والتهجير على غزة والضفة والقدس ، تحقيق التغيير الذي يخدم المرحلة ويقيم ويقوم التجربة ، إنها فرصة للمراجعة ، قبل فوات الأوان .
كاتب من العراق
“القدس العربي”


























