السؤال بشأن الكفاح المسلح من أجل الحصول على حق تقرير المصير، وإقامة وطن حر يعيش فيه الفلسطيني آمنا، لا يتعلق بحسابات توازن القوى، وإنما يتعلق بقوة الإرادة والتمسك بقيم الاستقلال والحرية والحق، ولذلك فإن الشعب الفلسطيني الذي يناضل في سبيل حق تقرير المصير وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي يستحق الوقوف معه ضد كل قوى الاضطهاد العالمي. إسرائيل التي تعتبرها الولايات المتحدة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط هي مجرد قوة احتلال، ودولة عنصرية تمارس سياسة الفصل الديني والقومي ضد غير اليهود، ومن ثم فإن القتال من أجل حق تقرير المصير الذي تنكره دولة الاحتلال، هو واجب فلسطيني وضرورة يجب على الشعوب العربية والدول المجاورة والدول المحبة للسلام في العالم أن تقف معه.
حسابات موازين القوى لم تقرر نتيجة حرب فيتنام، ولكن قررتها قوة الإرادة وتضامن شعوب العالم مع الشعب الفيتنامي، بما في ذلك قوى الحرية في الولايات المتحدة.
حسابات موازين القوى لم تقرر نتيجة حرب فيتنام، ولكن قررتها قوة الإرادة وتضامن شعوب العالم مع الشعب الفيتنامي، بما في ذلك قوى الحرية في أمريكا
الفلسطينيون ليسوا في حاجة إلى حاملات طائرات ولا إلى صواريخ عابرة للقارات، أو غواصات نووية، كل ما يحتاجه الشعب الفلسطيني هو التضامن العالمي الصادق الذي يكافئ التضحيات التي يقدمها من أجل الحصول على حريته وإقامة دولته. ولن يكون المقاتل الفلسطيني من أجل الحق والحرية والوطن أقل عزيمة من المقاتل الفيتنامي. وندعو الله تعالى أن تكون غزة هي فيتنام الشرق الأوسط ومقبرة قوات الاحتلال الإسرائيلية. وليس من العصي على الإرادة الفلسطينية أن تجعل العدو ينزف كل يوم، وأن يتسع جرحه النازف يوما بعد يوم، حتى يخر صريعا في مكانه. إن جيش الاحتلال الإسرائيلي ليس مبنيا لمواجهة حرب طويلة الأجل، فليجعلها الفلسطينيون طويلة بقوة إرادتهم وصمودهم، وليجعلوا جروح عدوهم تنزف بالليل والنهار، ليعلموا البشرية والأجيال المقبلة أن القوة في الحق انتصار، وأن التضحية من أجل الحرية شرف لا يستحقه إلا الأحرار.
أمريكا شريك في الجريمة
الولايات المتحدة هي شريك إسرائيل الأساسي في حرب إبادة الفلسطينيين. هذه الشراكة تجلت في خمسة إجراءات فعلية اتخذتها الإدارة الأمريكية أمام العالم كله، وليس في غرف دردشة مغلقة تتحدث عنها الدبلوماسية الأمريكية، تطلب فيها من إسرائيل اتباع ما يمكن تسميته سياسة «القتل الرحيم»، بأخذ القانون الدولي في الاعتبار عند إبادة الفلسطينيين! الإجراء الأول الفعلي تمثل في تأكيد الإدارة الأمريكية على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بالكيفية التي تراها، وفعل كل ما يحقق لها ألا تتعرض بعد ذلك أبدا لتهديد من المقاومة الفلسطينية، أو من جيرانها. الثاني هو جمع قوة عسكرية ضخمة في شرق البحر المتوسط والخليج، بقيادة حاملتي الطائرات «فورد» و»أيزنهاور» ومعهما قوة ثالثة للتدخل السريع، وغواصة نووية، تمثل جميعا أكبر قوة قتالية أمريكية في وضع التأهب خارج الولايات المتحدة. الإجراء الثالث هو إمداد إسرائيل بكل أنواع الأسلحة التي تريدها يوميا، وتقديم حزمة مساعدات إضافية فورية بقيمة 14.3 مليار دولار، والرابع هو حمايتها سياسيا من إصدار قرار بوقف القتال بواسطة مجلس الأمن الدولي، أما الإجراء الخامس فهو ممارسة ضغوط هائلة على شركائها وحلفائها من أجل دعم إسرائيل سياسيا واقتصاديا ومعنويا، وهو ما تجسد في زيارات غير مسبوقة إلى أي دولة في وقت الحرب، قام بها زعماء عدد من دول حلف الأطلسي إلى تل أبيب، على رأسهم الرئيس الأمريكي نفسه. الولايات المتحدة هي شريك صريح في حرب إبادة الفلسطينيين في غزة، وتهجيرهم من وطنهم، لإفساح المجال للتوسع الاستيطاني الصهيوني غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ يونيو 1967. وقد كانت زيارة وزير الخارجية أنتوني بلينكن الأخيرة إلى إسرائيل والضفة الغربية مثالا صارخا على النفاق الدبلوماسي الأمريكي، ومحاولة تبييض الوجه القذر للإدارة الأمريكية بترويج مزاعم تدعي إنها تحاول إقناع إسرائيل بتوخي الحذر عند القصف، لتقليل أعداد القتلى المدنيين، والسماح لهم بتلقي ما يكفيهم من الماء والغذاء والدواء قبل أن يقتلوا! هذه الدبلوماسية تقدم غطاء تكتيكيا لحرب الإبادة ضد الفلسطينيين، تحت مبرر حق إسرائيل في الدفاع عن النفس والقضاء على حماس. وهي دبلوماسية تنكر تماما حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة، رغم أن الإدارة الأمريكية تزعم التمسك به، بينما هي تعارض بشدة وقف إطلاق النار، وإنهاء أكبر مذبحة يشهدها التاريخ منذ الحرب العالمية الثانية. ولذلك فقد اطمأنت إسرائيل، إلى حصولها على الضوء الأخضر لاستئناف عمليات القتل الجماعي للفلسطينيين في كل قطاع غزة، وتدمير المستشفيات، ومنع وصول المساعدات الإنسانية إليهم واحتلال قطاع غزة بأكمله، وتهجير الفلسطينيين قسرا وبأوامر صريحة. يقول بلينكن في إحدى تغريداته موثقا ما قام به في زيارته الأخيرة: «في لقائي مع وزير الدفاع الإسرائيلي غالانت، أكدتُ مجددا دعم الولايات المتحدة لحق إسرائيل في حماية نفسها وفقا للقانون الإنساني الدولي، بينما حثثت على اتخاذ جميع التدابير الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين»!
غرور البربرية الإسرائيلية
على الرغم من الشراكة الأمريكية – الإسرائيلية في حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني المحروم من حقه في وطن حر يعيش فيه آمنا، فإن نتنياهو يعتبر أن هذه الحرب هي حرب إسرائيل فقط، وأنها هي صاحب حق اتخاذ القرار، وأنها ماضية في هذه الحرب حتى النهاية، كما قال في مؤتمره الصحافي مساء السبت الماضي 2 من الشهر الحالي، الذي عقده في مقر قيادة الجيش في تل أبيب. في هذا المؤتمر قال نتنياهو: «إنها بالقطع حربنا نحن. وإننا بالقطع أصحاب القرار وليس غيرنا. إننا نحاول وننجح غالبا في إقناع أصدقائنا الأمريكيين (عندما ينشأ خلاف)، وإنني أعتقد أن الأمور ستكون على هذا النحو في المستقبل». وتعهد نتنياهو بمواصلة الحرب «حتى النهاية» وتحقيق «النصر التام» حسب تعبيره، والتخلص تماما من حماس. وزعم أنه لم يتمكن من ذلك في مواجهات سابقة لأنه «لم يكن هناك الإجماع الداخلي والدولي الضروري لتحقيق ذلك». كما تعهد بعدم السماح للسلطة الفلسطينية بالعودة إلى قطاع غزة، بعد تصفية حماس. وقال نتنياهو إن إقامة هذه السلطة كان «خطأ فظيعا». وقال إنه يعمل كل ما يمكن من أجل استعادة المحتجزين، وأرسل نتنياهو تحذيرا قويا إلى حزب الله بتدمير لبنان مثل غزة إذا أقدم على شن حرب واسعة النطاق. وقال نتنياهو إن غزة يجب أن تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية كاملة، وإن الإدارة المحلية التي ستنشأ بعد انتهاء الحرب يجب أن تمر من خلال عملية مختلفة تماما (مقارنة بالسلطة الفلسطينية التي نشأت من خلال اتفاقات أوسلو)، وهو ما يجدد عمليا عدم التزامه بتلك الاتفاقات. ولم يحاول نتنياهو إخفاء خلافه مع الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن الإدارة الأمريكية تؤيد بعض أهداف حرب إسرائيل في غزة، «اثنان منها بالتأكيد» في إشارة إلى الاتفاق على التخلص تماما من حماس واستعادة المحتجزين، بينما يوجد خلاف بشأن الموقف من السلطة الوطنية الفلسطينية، ومن التسوية على أساس حل الدولتين، وتهجير الفلسطينيين، وتقليص المساحة المأهولة بالسكان في قطاع غزة.
التخلص من حماس أولا
يرى روبرت ساتلوف مدير معهد واشنطن أن «استسلام حماس» هو الطريق الفاصل بين استمرار الصراع المدمر في غزة، ووقف إطلاق النار غير المجدي. وكرر ساتلوف في مقال مشترك (في أول الشهر الحالي) مع دينيس روس المسؤول السابق عن ملف الشرق الأوسط في البيت الأبيض ما قاله الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن في مقاله المنشور في صحيفة «واشنطن بوست» يوم 18 من نوفمبر الماضي، بشأن استسلام حماس، وتسليم قيادتها، ونزع سلاح مقاتليها. مقال ساتلوف وروس يردد مزاعم إسرائيل وأكاذيب قيادتها السياسية والعسكرية، ويتجاهل حقيقة أن الهدف الاستراتيجي للحرب على غزة والضفة الغربية هو إبادة الفلسطينيين، وتوسيع نطاق الاستيطان إلى كل شبر من الأرض الفلسطينية المحتلة، وإعادة تثبيت نظام الردع العسكري ضد الشعوب العربية، وجعل ما يحدث في غزة والضفة والقدس الشرقية مثالا يتم استخدامه لتهديد أي دولة أو قوة مجاورة تجرؤ على تحدي الهيمنة الإسرائيلية. وهو اعتراف غير مباشر بأن أحد أهداف الحرب هو جعل قطاع غزة غير صالح للحياة، بهدف إجبار الفلسطينيين على الفرار من أرضهم، إلى الموت الأسود في قاع البحر، أو في متاهات الصحراء. هذا ما يريده نتنياهو، وهذا ما يجب أن لا يحدث. وهو لن يحدث إلا إذا كانت لدى الفلسطينيين، وهم يقاتلون، رؤية موحدة بشأن ممارسة حق تقرير المصير، على أساس وحدة الأرض الفلسطينية المحتلة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة حرة، يتمتع فيها الشعب الفلسطيني بالأمان والازدهار والكرامة.
كاتب مصري
“القدس العربي”


























