الأبطال التاريخيين والمأساويين الثلاثة في ملتقى أحداث غزة هم: بايدن، ونتنياهو والسنوار. يقول المؤرخون إن الواقع الذي يصمم التاريخ هو من عمل الزعيم. وعمل الزعيم مبنى شخصيته. في الشهر القريب القادم سيقع بين بايدن والسنوار ونتنياهو صدام محدد. شخصياتهم، بمستوياتها العلنية والخفية، ستلعب دوراً حاسماً في سياقات إنهاء القتال واليوم التالي. نتنياهو يعمل من موقع ضعف لورقة تتطاير في الريح وفي كل صوب. بايدن يعمل من موقع سيطرة، يستوجب إدارة متعددة الوجوه بمصالح متضاربة. الشخصية الأصلب بين الثلاثة هي شخصية السنوار، الذي يقرر وحده، بمعنى بينه وبين الله. تقارير الاستخبارات عندنا عن شخصية السنوار تصفه كمتزمت وحشي وكمريض نفسي يسير حتى النهاية. ليس قبل أن يقتل بسببه مئات الآلاف، وليس قبل أن يستنفد كل حيلة كي ينجو شخصياً وحركياً. ليست لديه مشكلة في قتل مخطوف بالتوازي مع تقدم الجيش الإسرائيلي.
السؤال الذي يرافق تقدم القوات على الأرض والاتصالات الدولية هو كيف سيرد السنوار إذا ما وصلنا إليه. هل ستكون هذه عليّ وعلى أعدائي مع كل من في المحيط، أم سيرد على عروض النفي بالموافقة على نمط عرفات – على افتراض أن تكون عروض من هذا النوع. في حرب لبنان الأولى، بعد ضغط دولي، تخلى الجيش الإسرائيلي عن نية قتل ياسر عرفات الذي صعد إلى سفينة (فوهة بندقية قناص رافقته)، غادر بيروت إلى الجزائر ومن هناك واصل النضال الفلسطيني نحو الاستقلال، بما في ذلك الإرهاب.
درسنا كإسرائيليين: من لم يرغب في خوض المفاوضات مع عرفات، ولاحقاً رفض المفاوضات مع أبو مازن، والآن عالق مع السنوار، سيحصل غداً على “الجهاد الإسلامي”. متزمتونا سيحتفلون أمام العدو الجديد – القديم، وإذا كانت لهم الرافعة السياسية المناسبة، فسيجروننا جميعاً إلى هذا الاحتفال.
في هذه الأثناء، السنوار وحده سيقرر إلى متى سيستخدم قواته ضد الجيش الإسرائيلي. هل سيقاتل حتى النهاية (خيار شمشون علي وعلى أعدائي يا رب)، هل سيخرج إلى المنفى أم سيبقى في الخندق على نمط نصر الله. في كل حال، هذا سيكون قراره، وسيكون له تأثير مباشر وحاسم على سياقات إنهاء المعارك.
نتنياهو بالمقابل، هو الملاكم الذي يتحرك في الحلبة، وهو يضرب من جهة (اليمين المجنون) إلى جهة (إدارة بايدن) ومن هناك إلى المقررين في الميدان (الجيش الإسرائيلي). في كل مكان يغير رواية، وبعدها يعود إلى البيت مع لكمة في العين وردمة في الكلية كي يتلقى الضربة القاضية اليومية. الهدف الوحيد الذي يدافع عنه بتزمت هو إحباط محاكمته. باقي قراراته هي ثمرة مواجهة صدفية لضغط مصادف في الغموض الذي يعيش فيه.
الرجل الذي هو متعلق به حتى أكثر من بن غفير هو جو بايدن، الذي يعزز آلة الحرب العسكرية الإسرائيلية. بعد خمسين سنة من الخدمة العامة، يبث بايدن الرجل ارتياح آلة متطورة تعرف كيف تتحرك في اتجاهات السياسة المحلية القطرية والسياسة الخارجية والأمنية العالمية. لا أعرف كم من الصدق يوظف بايدن في البادرات الطيبة الإنسانية والعاطفية. في الحقيقة، معظم اليهود يؤمنون بأنه هو وهرتسل شاهدا دولة إسرائيل من على الشرفة.
ستار دخان
بايدن نفسه يفترض أن يكون زعيم العالم الحر بحكم كونه زعيم القوة العظمى الأكبر في العالم، وهو بالفعل يعمل هكذا. وبصفته هذه علق في عالم من الخيارات الوحشية. حتى متى وكم جندياً أمريكياً سيقتلون في أفغانستان، أو كم جندياً أوكرانياً سيضحى بهم أمام روسيا على مذبح المصلحة الإمبريالية الأمريكية. وهل تترك إيران للوصول إلى القنبلة وغيرها وغيرها.
من ناحية إسرائيل، يلتزم بايدن أمريكياً أولاً ثم إسرائيلياً. يقف اليوم أمام خيار شخصي وحشي كمن يفترض أن يتنافس في انتخابات 2024 ضد ترامب الذي يتصدر الاستطلاعات. يبحث حزب بايدن عن سبيل لاستبداله بحصان منتعش أكثر، لكنه يصر على التنافس.
من زاوية بايدن، تعدّ إسرائيل وحماس زبونين رافضين. دور إسرائيل هو تصفية حماس التي تمنع الولايات المتحدة من تثبيت مدماك استراتيجي شرق أوسطي. قبيل انتخابات 2024 يفترض بنا أن نقدم لبايدن نوعاً من النصر على الأشرار في الساحة المحلية والدولية. دور حماس هو أن تصفى وتدع بايدن يبعث بالسلطة الفلسطينية إلى القطاع، التي هي، مثل إسرائيل، جزء من ذاك المدماك.
الوضع اليوم هو أن الزبون الحمساوي يرفض أن يصفى (بعد)، والزبون الإسرائيلي لم ينهِ مهمته (بعد). التنسيق المنشود لا يعمل حسب جدول بايدن الزمني، واستمرار القتال هو ضرر لمصالح أمريكية في العلاقات مع الدول العربية وإحساس بالمرارة في بيته هو. استطلاع جديد لمعهد البحوث “بيو” يقضي بأن أغلبية الأمريكيين يعارضون سياسة بايدن في الحرب في غزة. 45 في المئة من الديمقراطيين، حزب بايدن، يعتقدون أن إسرائيل تبالغ في نطاق الحملة العسكرية، مقابل 12 في المئة من الجمهوريين.
لكسب وقت للإقناع، يتحدث بايدن أيضاً بصوتين. وزير الخارجية أنتوني بلينكن مر بإسرائيل في طريقه من مكتبه إلى بيته (للمرة التي لا ندري كم عددها)، وأوضح بأن الحديث يدور عن زمن محدود، أي نهاية كانون الأول. إسرائيل عارضت. بلينكن حسب “بوليتيكو”، رد بـ “ليس لديكم الكثير من الائتمان”. لجونتان فاينر، نائب جاك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي، جدول زمني مختلف. “إذا ما انتهت الحرب اليوم، ستبقى حماس تهديداً على إسرائيل، ولهذا السبب لن تطلب الولايات المتحدة من إسرائيل التوقف”.
روى نير دبوري لداني كوشميرو بأنه “في غضون ستة أسابيع، سيقضي الجيش الإسرائيلي على حماس وينهي المهمة”، وهذه أكثر بأسبوعين من جدول بايدن الزمني. نتنياهو استسلم. على مراحل. قال لبايدن: “العملية في خانيونس ستستمر بقوى عالية حتى نهاية كانون الأول. بعد ذلك ستحتاج إسرائيل لبضعة أسابيع أخرى كي تطهر المنطقة من المخربين”. الجيش الإسرائيلي لا يفهم ماذا يعني تطهير المنطقة بقوى متدنية.
بينما تقول إدارة بايدن صراحة إن إسرائيل لن تحكم في غزة، يروي نتنياهو بأن إسرائيل هي التي ستدير الأمن في غزة، أي ستواصل القتال. الجيش الإسرائيلي لا يفهم علام يتحدث، أما بيني غانتس، في تناوله لليوم التالي فلا يتحدث عن سيطرة عسكرية في غزة، بل عن “تغيير الحكم”، وأفترض بأنه يقصد هذا في إسرائيل أيضاً.
من خلف ستار الدخان الذي يبدده نتنياهو، تتداخل ساعة ثلاثة ملائكة التخريب (نتنياهو، بن غفير وسموتريتش) مع الانتخابات التمهيدية في الولايات المتحدة في بداية 2024. وهم يراهنون على انتصار ترامب وسيطرة الإفنجيليين. فرضية العمل عندهم أنه لن يكون لأحد الأشخاص الأكثر نزقاً في الساحة الدولية أي مشكلة في الاستجابة للإفنجيليين. هذا هو المنطق المجنون من خلف الأقوال بأن الحملة ستطول (أتذكرون؟) “أشهر كثيرة ربما سنة”.
ما هو كفيل بكبح خطط ملائكة التخريب الثلاثة هو تعاظم احتجاج عائلات المخطوفين الذين يقتلون للوصول إلى السنوار. تجري أمامهم حملة بث عمل عابث (حالياً): “نحن في بيت السنوار” (نتنياهو) وكأنه ليس واضحاً أن السنوار الميت لا يساوي أظفر مخطوف حي.
ران أدليست
معاريف 15/12/2023
“القدس العربي”

























