بات واضحا، ومن خلال التطورات الاخيرة، ان المصالحة بين قطبي المعادلة الفلسطينية، حركة ‘فتح’ و’حماس’ اصبحت متعذرة، ان لم تكن مستحيلة في الوقت الراهن، ولذلك فان استمرار مصر في وساطتها، بالزخم المعروف، قد يعطي نتائج عكسية ضارة.
فمن الواضح ان حركة ‘فتح’ التي بادرت الى توقيع الوثيقة المصرية التي تشكل اساسا لهذه المصالحة، فعلت ذلك من اجل اخراج الرئيس الفلسطيني محمود عباس من مأزقه الصعب الذي ترتب على ادارته الارتجالية لمعركة تقرير القاضي الجنوب افريقي ريتشارد غولدستون امام المجلس العالمي لحقوق الانسان، والقاء الكرة في ملعب غريمتها حركة ‘حماس’ مجددا، ومحاولة الايقاع بينها وبين القيادة المصرية.
حركة ‘حماس’ في المقابل تجد نفسها تفقد الكثير من المكاسب السياسية التي حققتها من خلال استثمارها الاعلامي والسياسي الجيد لارتباك السلطة في التعاطي مع التقرير المذكور، خاصة ان هذه السلطة تداركت خطأها بسرعة، ونجحت في تمرير التقرير في المجلس وادانة الجرائم الاسرائيلية اثناء العدوان على قطاع غزة، ولذلك قررت الاستمرار في خطها المتشدد، والتهرب من استحقاقات مصالحة قد تصب في النهاية، في حال اقرارها في مصلحة تعزيز سلطة الرئيس عباس في رام الله، من حيث انقاذه من ورطته، واعطاء بعض الشرعية لرئاسته، ودفعه الى استئناف مفاوضات عقيمة وفق الشروط الاسرائيلية.
الحكومة المصرية يجب ان تأخذ فترة من الراحة من هذا الصراع الفلسطيني الحالي. والتركيز في الوقت نفسه على كيفية استعادة موقعها كقوة ضغط رئيسية في الموضوع الفلسطيني، لا على الفلسطينيين لتوقيع وثيقة تعرف جيدا انها لن تقود الى مصالحة حقيقية بسبب الهوة الواسعة بين موقفي الطرفين المعنيين بالتوقيع عليها، والصعوبات الكبيرة على طريق تطبيقها نتيجة لذلك.
بمعنى انه يجب ان تقود مصر العمل العربي في مواجهة اسرائيل سياسيا ودبلوماسيا على الاقل، وهي قادرة على ذلك، منطلقة من ارضية موقفها القوي والمتميز اثناء اعادة عرض تقرير غولدستون على مجلس حقوق الانسان الدولي في جنيف، حيث لعب الوفد المصري دورا جبارا في تمريره واعتماده من خلال تحشيد الدول الصديقة للتصويت لصالحه.
بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل توعد بالامس بالقتال من اجل خوض معركة دبلوماسية طويلة تهدف الى اسقاط الشرعية عن الاتهامات التي تضمنها التقرير بارتكاب اسرائيل جرائم حرب في غزة، وقال مسؤول اسرائيلي نقلا عن نتنياهو ‘ان اسرائيل يجب ان تنزع الشرعية عن الاتهامات التي تضمنها التقرير.. هذا الامر لن يستغرق اسبوعا بل ربما سنوات’.
نحن الان امام معركة دبلوماسية شرسة، تتطلب توحيد كل الجهود العربية، والفلسطينية خاصة، لمواجهتها، معركة ستكون الامم المتحدة وهيئاتها ومنظماتها المتخصصة او المنبثقة عنها مثل مجلس الامن والجمعية العامة، ومحكمة الجنايات الدولية ابرز ميادينها الرئيسية.
المماحكات الجزئية والصغيرة بين حركتي ‘فتح’ و’حماس’ يجب ان تتوقف، او على الاقل تؤجل، من اجل التركيز وتوظيف كل الطاقات للاستفادة باكبر قدر ممكن من هذا الانجاز الدبلوماسي العربي والاسلامي الكبير الذي تحقق في مجلس حقوق الانسان لحشر اسرائيل في القفص، وفضح ممارساتها الدموية الاجرامية في الاراضي الفلسطينية كافة وليس في قطاع غزة فقط.
فاذا كانت السلطة ما زالت تراهن على استئناف المفاوضات، فان نتنياهو الذي بات مثل الهر الجريح (ولا نقول النمر) لن يستأنفها قريبا، واذا كانت حركة ‘حماس’ تحنّ مجددا للعودة الى اطلاق الصواريخ، فان هذا الحنين في غير محله في الوقت الراهن على الاقل، ولهذا يجب على الطرفين التوحد، او عدم التنافر في مواجهة معركة تقرير غولدستون.
لتكن هدنة مؤقتة، تحل محل طموح المصالحة صعبة المنال حاليا، لالتقاط الانفاس، وتحويل السهام باتجاه العدو الرئيسي، في المعركة الدبلوماسية المستعرة، شريطة الاستعداد بشكل جيد، من خلال توظيف كل الكفاءات والخبرات العربية والعالمية في مجالات القانون الدولي لجني اكبر قدر ممكن من المكاسب من معركة غولدستون الدبلوماسية.
القدس العربي




















