الآفاق على المسار السوري – الإسرائيلي
مرت المفاوضات السورية – الإسرائيلية منذ مؤتمر مدريد في أكتوبر/تشرين الأول 1991 بست مراحل:
(1) – شملت خمس جولات من المفاوضات الثنائية تم عقدها بواشنطن في الفترة الممتدة حتى أبريل/نيسان 1992 إبان حكومة الليكود بقيادة اسحق شامير.
(2) – بدأت مع تولي حكومة حزب العمل بقيادة اسحق رابين في يونيو/حزيران 1992، وشملت ثلاث جولات أخرى في النصف الثاني من عام 1992، وثلاث جولات أخرى في عام 1993.
(3) – شملت جولتين عقدتا في عام 1994، وجولة أخرى عقدت في فبراير/شباط 1995، بينما لم يشهد ما تبقى من العام أية جولات إضافية، مما يدل على الجمود الذي أصاب المسار السوري – الإسرائيلي.
(4) – بدأت مع تولي شمعون بيريز رئاسة الوزارة الإسرائيلية في أعقاب اغتيال رابين في نوفمبر/تشرين الثاني 1995، وشملت هذه المرحلة عددا من الجولات التي عقدت قرب واشنطن تحت إشراف أمريكي (رفع مستواها إلى مستوى رئيسي أركان البلدين)، واستمرت إلى ربيع العام 1996.
(5) – أعطى انتخاب باراك زخماً كبيراً للمفاوضات تمثل بحصول أول اجتماع على مستوى رفيع تمثل بلقاء وزير الخارجية السوري آنذاك فاروق الشرع وباراك في " بلير هاوس " في نهاية العام 1999, تدشيناً لخطوة تفاوضية أكثر جدية تمثلت في محادثات شيبردزتاون بين باراك والشرع في بداية عام 2000.
اعتقد باراك بقوة أنّ الرئيس الراحل حافظ الأسد سيقبل الاتفاق الذي كان يعد له: إعادة كل مرتفعات الجولان إلى سورية باستثناء شريطين في محاذاة بحيرة طبريا وفي محاذاة الضفة الشرقية لنهر الأردن.
وبعدما توقفت مفاوضات شيبردزتاون بسبب رفض باراك " ترسيم " حدود يونيو/حزيران, بحسب الاعتقاد السوري, بقيت القمة بين الأسد وكلينتون في 26 مارس/آذار 2000 الأمل الوحيد لتحقيق اتفاق السلام. وتقول وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك مارلين أولبرايت عن هذه القمة: أعرب كلينتون عن السرور لأنه تمكن من كسب ثقة سورية من دون فقدان ثقة إسرائيل. وعندما قال أنه سيقدم عرضاً رسمياً لما كان الإسرائيليون مستعدين للقيام به, أجاب الأسد " جيد. لن أرد حتى تنتهي, لكن ماذا في شأن الأراضي ؟ وعندما قال كلينتون: " الإسرائيليون مستعدون للانسحاب كلياً إلى حدود متفق عليها في صورة مشتركة ", رد الأسد: ماذا تعني بـ " متفق عليها في صورة مشتركة " ؟ بدأ الرئيس كلينتون يشرح وأخرج منسق عملية السلام دينس روس خريطة تستند إلى أفكار باراك, وكانت تبين خطاً يمتد على طول الضفة الشرقية لنهر الأردن وبحيرة طبريا, مع تحديد واضح لشريط الأرض الذي يريد باراك الاحتفاظ به. قال الأسد: إذا هو لا يريد السلام, من دون حتى أن ينظر إلى الخريطة وقال: انتهى الأمر.
(6) – المفاوضات غير المباشرة تحت إشراف تركيا، على امتداد عام 2008، والتي توقفت بعد العدوان الإسرائيلي على غزة في أواخر العام.
لقد أدت المفاوضات السورية – الإسرائيلية، في مراحلها الست، إلى تقدم في النقاط التالية:
1 – الانسحاب، حيث التزم الإسرائيليون تجاه الإدارة الأمريكية الانسحاب الكامل من الجولان " وديعة رابين " في يوليو/تموز 1994. وبحسب خبراء سوريين, بدأ كلينتون حديثه لدى لقائه الأسد في القمة الأمريكية – السورية التي عقدت بدمشق في أكتوبر/تشرين الأول 1994 " لا يزال لدينا تعهد رابين بالانسحاب إلى خط 4 يونيو/حزيران ". وفيما تعهد كلينتون بوجوب أن " لا يكون أمن طرف على حساب الطرف الآخر " وأن يتحقق الأمن لـ " جميع الأطراف " في الشرق الأوسط لطمأنة السوريين ومطالبهم في تفاصيل الترتيبات الأمنية, تحدث الأسد للمرة الأولى عن " علاقات السلم العادية بين سورية وإسرائيل " وأنّ " السلام خيار استراتيجي ".
2 – الترتيبات الأمنية، حيث وافقت سورية على بحث ترتيبات الأمن التي ستقام بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، على أساس " الإطار المفاهيمي " الذي تم التوصل إليه في مايو/أيار 1995 تحت إشراف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وارن كريستوفر.
3 – طبيعة السلام، حيث ربط الإسرائيليون عمق الانسحاب بعمق التطبيع، وتحدثوا عن سفارة وحدود مفتوحة وتعاون اقتصادي. فيما أكد المفاوضون السوريون الاستعداد لتقبل " الظروف الموضوعية للسلام " وإقامة " علاقات عادية " مع إسرائيل بحيث لا تكون علاقات " مميزة " بل مماثلة لعلاقة سورية مع أية دولة أخرى.
4- التزامن وجدول الانسحاب، حيث تحقق التقدم في طبيعة العلاقة بين عنصري التطبيع والانسحاب، وبقي الخلاف قائماً بين الطرفين حول التزامن. فقد طالب السوريون بانسحاب فوري وفق ما يحتاجه الانسحاب لوجستياً في مقابل إقامة علاقات بشكل تدرجي، في حين أنّ الموقف الإسرائيلي طالب بانسحاب طويل الأجل وتطبيع فوري.
وبعد أن أصدر دينس روس كتابه " الفرص الضائعة " في 13 أغسطس/آب 2004 سئل: بالنسبة إلى المسار السوري، هل كانت هناك فرصة ضائعة مشابهة لـ " كامب ديفيد " ؟ ولماذا فشل هذا المسار؟ وهل تتجه سورية وإسرائيل نحو السلام هذه الأيام ؟ أجاب: نعم، أعتقد أنه كانت هناك فرصة ضائعة مع السوريين، لكن هنا في هذه الحالة ليست بسبب أنّ أحد الجانبين لم يكن لديه زعيم قادر على اتخاذ القرار التاريخي، وإنما لأنّ الزعيمين لم يكونا مستعدين في الوقت نفسه، فعندما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق رابين مستعداً، لم يكن الرئيس حافظ الأسد جاهزاً، وبعد ذلك عندما كان باراك مستعداً لم يكن الأسد كذلك، وعندما أصبح الأسد مستعداً بين ديسمبر/كانون الأول 1999 ويناير/كانون الثاني 2000 لم يكن باراك جاهزاً، ولاحقاً عندما أصبح باراك مستعداً ركز الأسد جهوده على توريث الحكم ثم توفي.
وكان الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، في كتابه "حياتي"، قد اتهم إسرائيل بأنها هي المسؤولة عن فشل مفاوضات شيفرذتاون مع السوريين. وكتب كلينتون " أنّ سورية أبدت مرونة كبيرة جداً في المفاوضات، لكنّ رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق، أهودا باراك، الذي تخوف من الرأي العام الإسرائيلي الذي لم يكن مهيئاً لتقديم التنازلات، طلب العودة إلى إسرائيل لبضعة أيام ".
وكتب كلينتون أيضاً أقوالاً سبق أن نشرت، ولكنه أكدها للمرة الأولى، جاء فيها " لقد تعهد لي اسحق رابين، قبل اغتياله، بالانسحاب من هضبة الجولان إلى حدود الرابع من يونيو/حزيران عام 1967، لكنّ الالتزام قدم لي على أن أحفظه في جيبي إلى أن يكون بالإمكان عرضه على السوريين في إطار اتفاق شامل. وبعد وفاته، أقر بيريز الالتزام. لقد أراد بيريز منا أن نوقع على اتفاقية دفاع مشترك مع إسرائيل، مقابل تنازل إسرائيل عن الجولان. لقد نزع نتنياهو إلى هذه الفكرة أيضا، ومثله فعل باراك كذلك. لقد قلت لهم إنني مستعد لفعل ذلك " .
وفي العهد السوري الجديد تباينت الردود الرسمية الإسرائيلية بين ربط استئناف المفاوضات بتخلي سورية عما تسميه " دعم الإرهاب " أو العودة إلى مائدة التفاوض " من النقطة الصفر ". وفي المقابل, تمسك المسؤولون السوريون بما قاله الرئيس بشار الأسد في حديثه إلى صحيفة " نيويورك تايمز ": نرغب في استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها لكي نتوصل إلى أفضل النتائج في أقصر وقت ممكن، خصوصا أننا اتفقنا على80 % من نقاط عملية السلام.
لقد حققت القيادة التركية اختراقا ديبلوماسيا مهما في السياسة الخارجية، حين رعت المفاوضات الإسرائيلية – السورية غير المباشرة، ولكنّ الغريب في الأمر أنّ الوساطة التركية أعلنت




















