ثمة توافق واسع النطاق على أن الحرب في أفغانستان قد تساهم في إنجاح رئاسة باراك أوباما أو إفشالها. ومن شأن فشل عهده الحالي أن يضيع منه بشكل شبه مؤكد فرصة خوض ولاية ثانية. فالرئيس الأميركي يواجه حالياً قراراً صعباً للغاية في ظل تدهور الوضع على الأرض وارتفاع حصيلة الضحايا وتراجع تأييد الحرب بين الناس.
وبشكل مفاجئ، يتسم النقاش الدائر حالياً في واشنطن بالطابع العسكري وهو نادراً ما يكون سياسياً. فهو يركّز على عديد القوات وعلى الاستراتيجية العسكرية ولا يولي أي اهتمام لإمكانية وضع حدّ للحرب الأفغانية بالوسائل السياسية.
يرغب قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال في أن يتمّ إرسال 40 ألف جندي إضافي وذلك لدعم استراتيجية مكافحة التمرد. فهو يعتبر أنه بهدف حماية الشعب الأفغاني، يجب نشر قوات غربية بينهم عوضاً من أن تتمركز في القواعد البعيدة وينبغي كسب المنشقين أو شراؤهم وتوسيع الجيش والشرطة الأفغانيين وإصلاح الحكومة في كابول وتقويتها، أي بمعنى آخر، يريد أن تصب الولايات المتحدة جهوداً مستدامة ومكلفة على مدى سنوات عديدة من أجل بناء دولة في هذا البلد.
وقد كتب هنري كيسنجر مقالاً عبّر فيه عن دعمه الجنرال ماكريستال وكذلك كاتب العمود البارز في صحيفة «نيويورك تايمز» روجر كوهن الذي يدعم «البقاء» في أفغانستان وليس «الخروج» منها. وكتب في مقال نشر أخيراً: «تتطلب ثلاثون سنة من القتال في أفغانستان ثلاثين سنة من الشراكة من الولايات المتحدة» وأضاف بلهجة مخيفة وغير مقنعة «في حال انسحبت الولايات المتحدة الآن…سيخفق حلف شمال الأطلسي وباكستان أيضاً».
غير أن نائب الرئيس الأميركي جو بايدن والمشكّكين الآخرين بهذه الحرب لا يوافقون الرأي. فبنظرهم، عوضاً عن الاضطلاع بمهمّة غير مضمونة النتائج ولن تؤدي حكماً إلى بناء دولة في بلد لم يعرف يوماً دولة مركزية قوية، يجب أن تعتمد الولايات المتحدة استراتيجية لمكافحة الإرهاب لا سيما من خلال الضربات الجوية. كما يجب أن تركّز في كل من أفغانستان وباكستان على ملاحقة تنظيم «القاعدة» والقضاء عليه إضافة إلى أعضاء حركة «طالبان» الذين يحمونه.
ويبدو أن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون تميل باتجاه بايدن على غرار جون كيري وهو رئيس مجلس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ والمرشح الرئاسي الديموقراطي الذي لم يفز في الانتخابات عام 2004. وقد كتب كيري أخيراً أن «إرسال المزيد من القوات يعتبر خطوة غير مسؤولة…لا سيما أن الانتخابات لم تنته في أفغانستان ولم نعرف بعد هوية الرئيس المقبل».
ويطالب السيناتور كيري شأنه شأن آخرين أوباما بالتريث قبل اتخاذ قرار في هذا الموضوع إلى أن يبرز شريك واضح للولايات المتحدة في كابول، وذلك بعد عمليات التزوير التي شابت الانتخابات في شهر آب (أغسطس) الماضي. ما يعني الانتظار وقتاً طويلاً.
وفي الأشهر الأولى على تبوئه منصبه، تطرّق أوباما إلى الحاجة إلى إيجاد استراتيجية للخروج من أفغانتسان. وقد أمل حينها في أن يسمح له إرسال حوالى 21 ألف جندي إضافي بأخذ زمام المبادرة العسكرية وبالتالي تحضير الميدان من موقع قوة من أجل التوصل إلى حلّ يتفاوض عليه مع حركة «طالبان». غير أن هذه الاستراتيجية لم تجد نفعاً، بل على العكس يبدو موقع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ضعيفاً فيما موقع «طالبان» أقوى. وقد حان الوقت لإعادة التفكير في الموضوع.
أما الشرط المسبق لإحراز النجاح فيتمثّل بالاعتراف بأن الأفغان لا سيما قبائل البشتون التي تتواجد على حدود باكستان لا تحب الأجانب. فهي تعتبر أن وجود القوات الأجنبية يشكل خطراً على ثقافتها ومعتقدها وطريقة عيشها. فمحاربة الإرهاب شيء وتأجيج مشاعر الكره لدى الشعب الأفغاني كما تفعل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي حالياً هو شيء آخر. ويترتّب مهما كلّف الثمن تفادي الوصول إلى نتيجة مماثلة.
يرى كاتب هذا المقال، بدلاً من ذلك، أنه يجب على الولايات المتحدة أن تفكّر في إعطاء جرعة قوية من «علاج الصدمة السياسية». ويجب أن تجمع حولها أصدقاءها وحلفاءها وحتى المعارضين لها في محاولة واضحة للتوصل إلى حلّ سياسي. وبالطبع، يُبعد ذلك إمكانية إرسال المزيد من القوات.
كيف يمكن التوصل إلى حلّ مماثل؟
ثمة مبادرتان سياسيتان متزامنتان تكفلان خرق جدار الأزمة: تتمثّل الأولى في أن تبذل الولايات المتحدة والأمم المتحدة جهداً فورياً وجدياً للتوصل إلى حلّ حول منطقة كشمير وإن لم يكن حلاًّ فأقله ترتيباً ودياً معقولاً توافق عليه كل من الهند وباكستان وسكان كشمير.
وينبغي أن تستخدم الولايات المتحدة قوتها الديبلوماسية حتى تحقّق ذلك، لا سيما أن كشمير تؤثّر كثيراً على الوضع في أفغانستان. وطالما أنه لم يتمّ حلّ الأزمة في كشمير، ستلجأ القوات العسكرية والاستخباراتية الباكستانية إلى الحلفاء «الجهاديين» لمواجهة الجيش الهندي في كشمير ولإبعاد التأثير الهندي عن أفغانستان التي تعتبرها باكستان بمثابة عمقها الاستراتيجي.
وتقضي المبادرة الأميركية الثانية بإنشاء مجموعة تواصل تضمّ أشخاصاً من باكستان والهند وإيران وتركيا والمملكة العربية السعودية، تكون مهمّتها الدعوة إلى عقد مجلس قبلي موسّع يمثّل كافة الفرقاء في النزاع الأفغاني بمن فيهم الرئيس حميد كارزاي وحركة «طالبان» والمعارضون الآخرون فضلاً عن زعماء القبائل.
ويجب أن يدعو هذا المجلس إلى وقف فوري لإطلاق النار ويفرض هدنة لمدة عدة أشهر للسماح للمفاوضات أن تأخذ مجراها. وتهدف هذه المفاوضات إلى وضع نصّ جديد للدستور الأفغاني ووضع شكل جديد للإدارة غير المركزية يكون أكثر تناسقاً مع بلد يعاني تقسيمات إقليمية وإثنية عميقة إضافة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية.
ويكمن الهدف الأساسي الآخر الذي قد يحقّقه المجلس القبلي إقناع قبائل الباشتون أنه حان الوقت لوضع حدّ للحماية التي تقدمها إلى المحاربين المتشددين التابعين لتنظيم «القاعدة».
ومن الممكن أن تساهم الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف شمال الأطلسي في نجاح المجلس القبلي من خلال التعهد بالانسحاب الكامل للقوات الغربية عندما يتمّ تشكيل حكومة وحدة وطنية أفغانية فضلاً عن تقديم مساعدة ببلايين الدولارات سنوياً وذلك على مدى خمس عشرة سنة على الأقل من أجل تحسين خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والمشاريع الخاصة بالبنى التحتية على أن يتمّ ذلك بإدارة منظمات تابعة للأمم المتحدة. ويعتبر هذا التحرّك الأنسب لتعويض الدمار الذي خلّفته الحرب.
هل يمكن أن تنجح خطة مماثلة؟ لا شك أن الموضوع يستحق المحاولة.
يشكّل فصل الشتاء القريب الوقت الأمثل لمحاولة التوصّل إلى حلّ سياسي للمشكلة الأفغانية. فبفضل وضع حدّ للقتال في هذه الحرب، سيعطي الطقس السيئ كل الأطراف الوقت ليفكّروا في طريقة للخروج من الفخ الأفغاني بشرف.
* كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط
"الحياة"




















