السؤال الذي يثير قلق اللبنانيين ويقض مضاجعهم هو: كيف السبيل للخروج من الوضع الشاذ لكي يصير في الامكان اقامة الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كل اراضيها ولا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها؟
لقد حالت الحروب الداخلية والميليشيات المسلحة التي اقامت حكمها في مناطق سيطرتها دون قيام هذه الدولة مدى سنوات، وكانت كل واحدة منها تعتمد على خارج يحركها في الاتجاه الذي يريد، الى ان دخلت القوات السورية الى لبنان فأقامت وصاية عليه من دون ان تقيم الدولة القوية بذاتها والتي تستطيع ان تعتمد على امنها الذاتي في حفظ النظام وتطبيق القانون على الجميع بل ظلت تعتمد على دولة الوصاية وعلى الامن المستعار.
وعندما انتهى حكم الوصاية السورية، لم ينته معه وجود بقاياه في لبنان، فظل الهم عند اللبنانيين المخلصين لوطنهم من دون سواه، العبور من حكم الدويلات الى حكم الدولة الواحدة القوية القادرة، فيما ايد الذين لا يريدون قيام هذه الدولة، بقاء السلاح في ايدي لبنانيين وغير لبنانيين خارج الشرعية لنسف جسور العبور الى الدولة، وذلك بخلق صراع وانقسام حادين على السلطة بدءاً بانتخاب رئيس الجمهورية، فعمدت الاقلية النيابية الى تعطيل اكتمال النصاب لجلسات الانتخاب كي تحول دون انتخابه من قوى 14 آذار التي تمثل الاكثرية. واستمر الفراغ الرئاسي الى ان حصل اتفاق على ألا يكون رئيس الجمهورية لا من 8 آذار ولا من 14 آذار، فصار اتفاق على ان يكون قائد الجيش العماد ميشال سليمان هو الرئيس التوافقي، ولكن رغم هذا الاتفاق، فإن الاقلية المعارضة المتمثلة بقوى 8 آذار ربطت انتخابه بالاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وعندما لم يتم التوصل الى ذلك، عاشت البلاد ازمة فراغ رئاسي مدة ستة اشهر، الى ان كانت احداث 7 ايار التي فرضت عقد مؤتمر الدوحة، فتم الاتفاق فيه على انتخاب العماد سليمان رئيساً للجمهورية، وعلى تشكيل حكومة وحدة وطنية توزعت فيها الحصص بين رئيس الجمهورية والاكثرية والاقلية وعلى اجراء انتخابات نيابية على اساس قانون الـ 60 اعتقاداً من الاقلية ان هذا القانون يجعلها اكثرية بعد الانتخابات، فتحكم، وان هي ظلت اقلية فإنها تتحكم بالاكثرية عند تأليف الحكومة.
وجرت الانتخابات النيابية التي كان يفترض ان تحسم نتائجها الجدل الذي كان قائماً حول من يمثل الاكثرية النيابية في مجلس النواب. وعندما فازت قوى 14 آذار والمتحالفون معها بأكثرية المقاعد النيابية، طلعت قوى 8 آذار التي عادت اقلية بنغمة انها هي تمثل الاكثرية الشعبية اذا كانت قوى 14 آذار تمثل الاكثرية النيابية، وطالبت بأن تكون شريكة في اي حكومة يتم تشكيلها ووفقاً لشروطها ومطالبها والا فإنها لا تكون حكومة ميثاقية وشرعية لان التحالف الشيعي الذي يحتكر تمثيل الطائفة لن يشارك فيها اذا لم يحصل على حصته من الوزراء وعلى الحقائب التي يريد، ليس له فحسب، بل لحلفائه ايضاً وتحديداً للعماد ميشال عون…
وهكذا نجحت الاقلية، كونها مسلحة وتستطيع التهديد في كل وقت بـ 7 أيار جديد ان تعرقل تشكيل حكومة وحدة وطنية مدة اربعة اشهر حتى الآن، كما نجحت من قبل في التعطيل العام مدة سنة الى ان كان 7 ايار ومؤتمر الدوحة فخرجت البلاد من الفراغ الرئاسي والحكومي، وها ان الاقلية تحاول ادخال البلاد مرة اخرى في فراغ حكومي من خلال الصراع على السلطة بينها وبين الاكثرية، ووضع العهد الذي كان يأمل في الانطلاق بورشة الاصلاح في كل المجالات بعد الانتخابات، بين خيارين: اما تشكيل حكومة وحدة وطنية بشروطها، والا فلا حكومة بل فراغ مفتوح على كل الاحتمالات.
وبعد ان يتم التوصل بعد جهد جهيد وتدخلات من كل صوب وحدب الى تشكيل الحكومة، فإن الصراع على تشكيلها يكون قد انتهى ليبدأ الصراع داخلها ليس حول المواضيع الاساسية التي يحتاج اقرارها الى توافق او الى تصويت ثلثي عدد الوزراء عليها، بل حتى على المواضيع العادية وذلك من اجل شل عملها وتالياً شل عمل المؤسسات، لان بين الاكثرية والاقلية صراعاً ليس على الحقائب فحسب، بل على السياسة التي ينبغي انتهاجها في كل وزارة، سيادية كانت او خدماتية، لانه لم يحصل اتفاق مسبق على برنامج عمل الحكومة في كل وزارة كي يتقيّد به كل وزير، فإذا كان الصراع على السلطة من خلال اقتسام الحقائب قد انتهى، فإن هذا الصراع سيبدأ حول السياسة في كل وزارة، لا سيما المالية والدفاعية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والصحية والعدلية والزراعية، لانه قد يكون لوزراء الاكثرية سياسة تختلف عن سياسة وزراء الاقلية، والا فلا داعي للخلاف على اسناد هذه الوزارة او تلك لفريق الاكثرية او الاقلية، لو لم يكن ثمة خلاف على السياسة، وهو خلاف يؤدي الى تعطيل عمل الحكومة من الداخل، واذا لم يتعطل من الداخل، فقد يتعطل من الخارج، كما يقول النائب السابق فارس بويز.
ان كل هذا يدل في رأي بعض السياسيين المراقبين على ان لبنان يعيش في وضع شاذ يجعل الاحزاب فيه تتصارع على السلطة كي لا يتم الاتفاق على قيام الدولة او العبور اليها. بل جعل الخارج هو الذي يعبر اليها ليفرض وصاية جديدة على لبنان بدعوى الخوف على وحدته ارضاً وشعباً ومؤسسات او على تعرضه لخطر التقسيم او التقاسم…
لذلك، فما دام في لبنان سلاح خارج الشرعية فإنه يبقى سيارة مفخخة، وما دام في لبنان تكتلات مذهبية مسلحة، وليس مقبولاً تشكيل حكومة فيه الا ما يسمى "حكومة الشراكة" خلافاً للنظام الديموقراطي كي تجمع الاضداد والتناقضات بوزرائها وبرؤيتها السياسية، فإن لبنان سيظل يعيش في وضع شاذ وفي صراع على السلطة يحول دون العبور الى الدولة، واذا تم العبور اليها بأعجوبة، فإن المعرقلين قد يحوّلونها دولة فاشلة…
اميل خوري
emile.khoury@annahar.com.lb




















