وجدت السياسة الإسرائيلية المعادية للسلام والباحثة عن ذرائع لتجنبها وتجنب تبعاتها، في توجهات حكومة حماس العتيدة الممانعة والرافضة، الذريعة الملائمة لعدوانها الأخير على غزة.الذي ما لبث أن تمخض عنه صعود اليمين الإسرائيلي الأكثر عدوانية وتوسعية إلى السلطة، وهو ما هدد أي فرصة للتسوية، ووضع المنطقة برمتها في بوتقة الاضطراب الكبير، خارج دائرة الخيارات السياسية الناجعة، وهو المناخ المناسب لنمو ظاهرة التطرف وبروز جنود جدد لإرهاب القاعدة ولنزعتهم التكفيرية المدمرة، ولتعاظم أدوار النظام الإيراني الذي يلعب على وتر الفراغ الاستراتيجي الذي يعاني منه النظام العربي، وعلى الفجوات من المشكلات التي تتعرض لها البلاد العربية، بعد غياب دور العراق في المعادلة الإقليمية.
فوضع صعود نتنياهو، إلى السلطة، العرب أمام خيارات صعبة، فلم يتبق لهم سوى الاستعادة للتضامن، وعلى الأقل الحد الأدنى من الوحدة قائمة على الاحترام المتبادل، والاعتراف بتعدد خياراتهم، وباتوا في أمسّ الحاجة إلى نوع من المراجعة، على ضوء الهزة التي أصابتهم إثر العدوان الإسرائيلي الأخير، ولصياغة سياسة مناسبة في مواجهة ما تفرضه مخاطر سياسة نتنياهو العدوانية من تحد وابتزاز واستنفار، وهو ليس متاحاً ضمن الأجواء العربية التي تسودها أجواء المزايدة الفاضحة،غير ان التحدي الذي يواجهه العرب لم يعد ينحصر بسياسة نتنياهو هذه، بل هم أمام تحد من نوع آخر، هو تحدي رهانات السلام التي باتت تفرضها عليهم توجهات أوباما تجاه حل النزاع العربي الإسرائيلي.
وهو ما يُحرج الوضع العربي – الفلسطيني لافتقاره لحد الآن إلى اتفاق على نهج جامع يُظهر وحدة العرب أمام العالم، فلا العرب مهيؤون لملاقاة سياسة أوباما السلمية، إذ ما زال بعض أطراف النظام العربي من (الممانعين) عاجزين عن تهيئة متطلبات السلام، يتحدثون عن التسوية ويمارسون نقيض متطلباتها، حيث يدعمون القوى المعادية للتسوية غير النظامية بالمال والسلاح ويشجعونهم على زرع الشقاق في بلادهم، ومازال الواقع السياسي الناتج عن انقلاب حماس يعمِّق انفصال غزة عن الجسد الفلسطيني ويقدم الفلسطينيين للعالم في وجهين وسلطتين ونهجين، ولم تستطع النظم العربية المتبنية للتسوية دفع القوى النافذة عالمياً، بما تملك من ثروة ونفوذ، إلى الانخراط في التسوية والضغط على إسرائيل لقبول بخيار السلم. فغدا الوضع برمته على الجانبين الإسرائيلي والعربي غير مُهيأ للتسوية، فلا العرب أعدّوا العدة لمواجهة سياسة هجومية حربية على شاكلة سياسة نتنياهو، وهذا ينطبق بالأساس على الأنظمة (الممانعة) التي لا تتطابق أفعالها مع أقوالها، وغير مستعدة للمواجهة ولا تريدها أصلاً، تتلهف للتسوية وتخشى متطلباتها. لهذا يبدو ان الوضع الملائم لهذا الفريق هو المراوحة بين حالة اللاحرب واللاسلم، وخلق بؤر التوتر الداخلي في هذا البلد العربي أو ذاك ودفعه إلى حافة الانقسام إلى الدرجة التي يمكن أن تهدد وحدته الوطنية (الانفصال) كحال حماس في غزة، وحال مآل سلوك حزب الله في لبنان، دون أن يؤثر ذلك فعلياً على مجريات الصراع العربي الإسرائيلي، فلا يتعدى مفعول تلك (المقاومات) سوى الدفع ببلدانها إلى مركز للتوتر والاحتراب، وأن تصبح أهدافاً للتدمير الإسرائيلي ودون أن تجد رداً من أنظمة الممانعة، التي تكتفي كعادتها بملء الأجواء العربية بشعارات الصمود والتصدي الفارغة من أي مضمون جدَّي سوى تبذير الجهود العربية وتمزيق النظام العربي وتسهيل اختراق الجسد العربي من قبل دول الجوار الإقليمي ولاسيما إيران.
وعلى هذا يصبح الوضع العربي برمته في حالة شبيهة لحالة الشلل السياسي تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، ولا أحد يعرف اتجاه الأحداث ومآلاته، فليس من الغريب في هذا الحال أن تحتل المشاريع الراديكالية الخطابية واجهة المشهد السياسي، وأن يحتل الخطاب العالي النبرة، والمفاهيم التي يتداولها هؤلاء الراديكاليون إلى واجهة المشهد السياسي لأنظمة الممانعة والتنظيمات التي تدور في فلكها والفضائيات المعبرة عنها تعويضاً عن الفقر في الأفعال، والقصور في الاستعدادات العملية. وخلال ذلك كله تدفع( الثمن) الساحات الرخوة في الجسد العربي (لبنان، وفلسطين، وحتى اليمن)، وتغدو هذه البلدان معرضة للتفكك والانقسام والاحتراب تحت رايات المقاومة والممانعة. وفوق هذا وذاك تحتل مفاهيم وخطب الممانعة موقع البديل عن الوقائع، فيتوارى الواقع إلى الخلف لصالح مفاهيم الخطاب، تعويضاً عن الفراغ الإستراتيجي الذي نعيشه كأمة، وتعويضاً عن غياب الأفعال الجدية. ومادام العرب هذا حالهم فليس من الغرابة، أن يجري التعويل على (الفضائيات) والرهان عليها لستر دور بعض الأنظمة، ولتضخيم دور بعضها الآخر في عالمنا العربي، ولعل فضائية (الاتجاه المعاكس) تجسد خير تجسيد غوغائية هذه المرحلة، فهي وبما تبشر به من فكر أحادي فضائحي دعائي أصم، رمز لهذه البرهة النكدة من التاريخ العربي السقيم،الذي باتت فيها الأقوال على سقامتها متفوقة على الأفعال والوقائع!




















