مرة أخرى تثبت طهران أنها قادرة على الافلات من الحصار المفروض على سلاحها النووي الافتراضي.
فعندما بدا ان صفقة ما عقدت بين واشنطن وموسكو قوامها تراجع الاولى عن مشروع الدرع الصاروخية في بولونيا وتشيكيا، مقابل الاطباق على المشروع النووي الايراني، قامت طهران بخطوتها التراجعية المتمثلة بالموافقة على ارسال مخزونها من الاورانيوم المنخفض التخصيب الى روسيا لمعالجته واعادته بعد مروره بفرنسا الى مفاعل الابحاث الطبية في طهران.
يومها تنفس الجميع الصعداء.
فقد اعتبرت موسكو انها باتت في حِلّ من دينها لواشنطن طالما ان طهران استجابت طوعا، وواشنطن نفسها اعتبرت ان سياسة مد اليد التي ينتهجها الرئيس الاميركي باراك اوباما اثبتت جدواها حتى مع اشد الخصوم عنادا.
لكن كعادتها بعد تحقيق الهدف المُلحّ، وهو في هذه الحالة احباط الاجماع على فرض المزيد من العقوبات الدولية عليها، اخذت طهران بالتوضيح التدريجي لموقفها: بعد ايام من الموافقة المبدئية قالت ان ارسال الاورانيوم المنخفض التخصيب الى الخارج لا يعني وقف عملية التخصيب نفسها، باعتبارها حقا ايرانيا.
وبعدما اطمأنت الى مرور عاصفة الغضب الدولي التي رافقت الاعلان عن المنشأة الجديدة لتخصيب الاورانيوم في قم بدأت تفصح عن مشاريع جديدة في ما يخص الاورانيوم الذي يفترض ان ترسله الى روسيا.
لم يعد وارداً ارسال 1200 كلغ الى روسيا وانما مجرد 300 كلغ، او تُعطى طهران حق شراء الاورانيوم العالي التخصيب (20 في المئة) من الخارج. اي بدأت المساومات التي تجعل التنازل الايراني رمزيا، فيما الجبهة الدولية المعادية تفككت او هي في سبيلها الى التفكك.
مفاوضو ايران الغربيون ينتظرون جوابها خلال ايام قليلة لكن الدلائل تشير الى انهم لن يحظوا باجابات تشفي غليل من يريد ان يعرف كيف يوجّه موقفه مستقبلا، فالجواب الايراني سيكون كما اصبح معتادا مفتوحا على احتمالات عدة تمكن على الاقل روسيا والصين من القول انه ينبغي اعطاء التفاوض فرصة .
أبعد من ذلك يبدو ان اسس الموقف الغربي من النووي الايراني تتعرض لاهتزاز. فنحن نلاحظ في الفترة الاخيرة حماسة فرنسية لا تتناسب مع البرود الاميركي.
وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، المعروف بتصريحاته المتقلبة، شكك في تصريح اخير بجدوى العقوبات الاقتصادية على طهران معتبرا انها يمكن ان تصيب الفئات المعارضة قبل ان تصيب النخبة صاحبة الامتيازات في الحكم. ولأنه كرئيسه ساركوزي يعتبر "النووي الايراني" مسألة في غاية الالحاح لم يجد سوى التلويح بأن اسرائيل لا بد وان تتحرك متى اقتنعت بان الخطر بات دائما.
في المقابل يبدو الموقف الاميركي اكثر هدوءا باعتباره في بداية تجربة اسلوب التفاوض مع طهران، ولانه من ناحية اخرى بدا ان الرئيس الاميركي اكثر حساسية تجاه الحجة التي تقول انه يصعب اقناع ايران بالتخلي عن طموحاتها النووية بدون اثارة موضوع التخلي عن السلاح النووي في الشرق الاوسط، وتبني سياسة عالمية لخفض الترسانات النووية على الطريق المستقبلي للتخلص منها.
تصريحات اوباما الغامضة في هذا الصدد لا تشكل بالطبع مرجعا ثابتا كما اثبتت تجارب الاشهر الاخيرة، لكن الواضح اننا لسنا امام ادارة اميركية تعتبر "النووي الايراني" اولوية ملحة، فيما هي تبحث عن مخرج افغاني، ويتعقد امام عينيها الوضع العراقي، وطهران قادرة على المعاونة في الملفين.
وقد حظيت طهران اخيرا بدعم غير متوقع من الجار التركي الذي كان يُحسب، غربيا، في خانة المتوجسين من القرارات النووية الايرانية. فرئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان استكمل "التفافه" الشرق الاوسطي بموقف انه من "الظلم والاجحاف" الضغط على طهران فيما تمتلك "دول اخرى"، اي اسرائيل مثل هذا السلاح.
هذا الموقف التركي يلاقي الموقف العربي الرسمي، الحليف لأميركا، والذي لم يستجب لمبدأ ان العداء العربي – الايراني يضع في موقع خلفي الصراع العربي – الاسرائيلي التقليدي. فهذا الموقف يقرن دائما رفضه لسلاح ايراني نووي مستقبلي، برفضه لسلاح نووي اسرائيلي، راهن، بل تاريخي.
مجمل هذه المعطيات الدولية والاقليمية العاملة لمصلحة المماطلة الايرانية لا تعني اننا بصدد اكتمال تواطؤ واسع على تمرير السلاح الايراني المستقبلي، وانما تعني انه لا يكفي العمل ضد ايران خارج سياسة نووية اقليمية على الاقل، وفي ذلك تحد جديد لسد الفجوة بين اوباما الخطيب، واوباما الرئيس الفعلي للولايات المتحدة.
"النهار"




















