ماذا ينتظر الرئيس ميشال سليمان ليأخذ قلماً وورقة ويكتب اسماء اعضاء حكومة من غير السياسيين بعدما ثبت أن بعضهم لا يزال كما وصفهم الرئيس فؤاد شهاب "بأكلة الجبنة" (FROMAGISTE)؟
لقد مرّ أكثر من أربعة أشهر لتشكيل حكومة تسمى "وحدة وطنية" مع أن لا وحدة فيها لا في المبنى ولا في المعنى بدليل ان الخلاف لم يكن مرة على برامج ومشاريع، بل بكل أسف على حقائب وأي منها هي الأكثر وجاهة ودسامة وكأن الوزير يكبر بالوزارة وليست الوزارة هي التي تكبر به.
هذا هو السؤال الذي يطرح في المجالس السياسية والشعبية وحتى الرسمية ولا جواب عليه. لقد اعلن الرئيس سليمان عند افتتاحه المبنى الخاص لادارة الانتخابات النيابية والاشراف عليها: "نريد ان يكون 7 حزيران موعداً مع الأمل ومحطة اضافية لتحصين ميثاقية دستورنا ولا خاسر في ذلك، بل مصلحة لبنانية وطنية عليا تربح وتحمي وتحصن. وهذا السياق الديموقراطي نريده تنافساً لا تناحراً وليفز من يفوز ولتقبل النتائج بروح طيبة فالمكان لا يتسع إلا لـ128 فائزاً والقبول بنتائج الانتخابات أهم من الانتخابات بذاتها". وتوجه الى المرشيحن بالقول: "فليعلم الرابح ان الذين لم يقترعوا لمصلحته هم لبنانيون لديهم ملاحظات وهواجس انما أيضاً لهم حقوق علينا ويتمتعون بمواطنية كاملة غير منقوصة من ضمن ما يؤكده الدستور ويضمنه ميثاقنا الوطني نريد الابتعاد عن الاصطفافات المذهبية الى رحاب الكون الذي يملأه شبابنا المغترب علّنا نشجعهم للعودة الى حضن الوطن".
وجرت الانتخابات فكانت حرة نزيهة بشهادة الداخل والخارج، واعترفت الأقلية بفوز الأكثرية وبنتائج هذه الانتخابات لكنها اشترطت ان تكون الحكومة حكومة وحدة وطنية كي يكون لها فيها "الثلث المعطل"، خفياً كان او ظاهراً، حتى اذا تعذر، فلا حكومة في لبنان، مفضلة استمرار الفراغ بكل تداعياته على تشكيل اي حكومة للخروج من هذا "الفراغ".
وبعدما تعذر تشكيل حكومة "الوحدة الوطنية" في التكليف الأول للنائب سعد الحريري، تسببت العراقيل المقصودة وغير المقصودة بتعثره حتى الآن في تكليفه الثاني ولم يعد اختيار اسماء الوزراء هو المشكلة، انما اختيار الحقائب وبات السؤال الذي يقلق الناس هو: هل المطلوب تشكيل حكومة وحدة وطنية يكون فيها للاقلية ما تريد والا فلا حكومة حتى وان استمر الفراغ الى أجل غير مسمى في حين تطالب الأكثرية بتشكيل اي حكومة لأن وجودها يظل اسلم من وجود الفراغ؟
هذا هو السؤال الذي ينتظر الناس من الرئيس سليمان ومن الرئيس المكلف سعد الحريري جواباً عليه، علماً أنه في جميع دول العالم عندما يتعذر تشكيل حكومة وحدة وطنية او اتحادية او ائتلافية، يتم تشكيلها من الأكثرية اذا كانت الثقة مضمونة بها او من غير السياسيين. وهو ما فعله الرئيس الياس سركيس عندما تعذر عليه تشكيل حكومة وفاق وطني لأن الرئيس حافظ الأسد رفض يومذاك رفضاً قاطعاً ان يشارك فيها كمال جنبلاط بصفته رئيساً لـ"الحركة الوطنية" التي كانت تمثل طرفاً سياسياً مهما في مقابل ما كانت تمثله "الجهة اللبنانية"، في الطرف الآخر، فيما يصر نجله الرئيس بشار الأسد اليوم "على تشكيل حكومة وحدة وطنية ورفض تشكيل اي حكومة سواها كي يضمن مشاركة حلفائه فيها.
الواقع أن الظروف السياسية التي كانت تعيشها البلاد في عهود سابقة ولا سيما في عهد الرئيس سركيس تختلف عن تلك التي تعيشها اليوم. فالتكتلات النيابية كانت تكتلات سياسية وطنية ولم تكن كما هي اليوم تكتلات مذهبية، والسلاح خارج الشرعية لم يكن يستخدم لغايات سياسية كما هو اليوم بدليل ان ما من حكومة سقطت بقوة السلاح. وعندما شكل الرئيس سركيس حكومة من غير السياسيين وكانت برئاسة سليم الحص وعضوية الوزراء فؤاد بطرس، صلاح سلمان، ابرهيم شعيتو، امين البزري، ميشال ضومط، اسعد رزق نالت الثقة باجماع 77 نائباً وحصلت على صلاحيات استثنائية لمدة ستة اشهر لتعديل او الغاء الاحكام التشريعية النافذة او وضع نصوص جديدة ترمي الى اعادة تعمير البلاد والى تطوير وتنظيم الشؤون المالية والاقتصادية والاجتماعية والامنية والدفاعية والاعلامية والتربوية، واجاز لها مجلس النواب أيضاً اعادة النظر في قوانين الايجار والجنسية وبالمهل القانونية والقضائية وما يتعلق باعادة تكوين الدعاوى والسجلات الرسمية والمستندات التي فقدت، وكذلك وضع قانون لتنظيم وتحديد المناطق الادارية وقانون الانتخابات النيابية وقانون البلديات وقانون الموازنة وقوانين التنظيمات الادارية لجهة تبسيط وتسهيل المعاملات وقوانين الضرائب، وإنشاء شركات اقتصادية مختلفة والغاء المرافق العامة او دمجها بهذه الشركات او بالادارات العامة.
ولم تعترض سوريا على تشكيل تلك الحكومة لأنها لم تكن تريد تشكيل حكومة وفاق وطني يكون النائب كمال جنبلاط من اركانها كما لم تعترض عليها القوى السياسية الاساسية في البلاد التي كانت ممثلة بـ"الحركة الوطنية" وبـ"الجبهة اللبنانية" خلافاً لما هو عليه الموقف اليوم. فهل في استطاعة الرئيس سليمان وفي ظروفه المحلية والعربية والاقليمية والدولية الصعبة والمعقدة ان يفعل ما فعله الرئيس سركيس عندما تعذر عليه تشكيل حكومة وفاق وطني ولا يواجه باعتراض سوريا التي تصر على تشكيل حكومة وحدة وطنية لأنها الضامن لعدم اتخاذ قرارات لا ترضيها، وتمنع ما تخشاه وهو تسييس المحكمة ذات الطابع الدولي، وهو ما كان قد اعلنه الرئيس بشار الأسد في حديث له تبريراً لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وجارته في هذا الموقف قوى 8 آذار ولا سيما حلفاء سوريا فيها؟ وهل تكفي موافقة نواب الأكثرية ومن بينهم نواب قوى 14 آذار على حكومة يتم تشكيلها من غير السياسيين رغبة منها في اخراج البلاد من ازمة وزارية قد تتحول ازمة حكم وازمة نظام، ولا تهدد الاقلية المصرة على تشكيل حكومة وحدة وطنية بالتظاهرات والاعتصامات ان لم يكن بأكثر من ذلك.
ان الدستور كان يعطي رئيس الجمهورية صلاحية تعيين الوزراء واختيار رئيس من بينهم وهو ما مكن الرئيس سركيس وغيره من الرؤساء السابقين من استخدام هذه الصلاحية، في حين ان دستور الطائف حرم الرئيس ذلك وبات عليه ان يتفق مع الرئيس المكلف على تشكيل اي حكومة، فاذا صار اتفاق على ان يرأس النائب سعد الحريري حكومة من خارج مجلس النواب، فان الاقلية وبتحريض سوري قد تعترض على ذلك وتطلب ان يكون رئيس هذه الحكومة من خارج المجلس ايضاً.
وهذا يتطلب من الرئيس المكلف سعد الحريري الاعتذار ليفسح في المجال لاجراء استشارات نيابية جديدة تسمي الرئيس المقبول لتشكيل مثل هذه الحكومة، ويخشى عندئذ ان تسمي الأكثرية من لا ترضى به الأقلية اذا كان ثمة من يريد ادخال البلاد في حالة فراغ وفوضى يفرض الخروج منهما البحث في نظام جديد ودستور جديد ولو تحت ضغط الوقت واستقواء فئة على فئة، عدا التهديد بالسلاح…
لذلك يمكن القول ان الرئيس سليمان قد يكون الرئيس الوحيد الذي يمر وتمر معه البلاد في ظروف صعبة دقيقة وحساسة محلياً وعربياً واقليمياً ودولياً تجعله غير قادر على فرض التوازنات بل على ادارتها او السير بين ا لنقاط لعجزه عن ازالتها من طريقه. كي يتفادى الاخطاء. فهل تتغير هذه الظروف كي يستطيع الرئيس سليمان ان يغير ما لا يستطيع تغييره في ظلها ام يظل يواجه خيار تشكيل حكومة وحدة وطنية او لا حكومة بل فراغ…
اميل خوري
emile.khoury@annahar.com.lb




















