رد الجيش الإسرائيلي أمس على صاروخ الكاتيوشا الذي أُطلق من سهل حولا وسقط بالقرب من كريات شمونة بعشر قذائف مدفعية. ولو انطلقت الصواريخ الأربعة التي وجدها الجيش اللبناني في صبيحة اليوم التالي لربما كان تعرض سهل حولا لسقوط أربعين قذيفة. واذا كانت حادثة الأمس لم توقع اصابات لا في لبنان ولا في إسرائيل؛ فإن احداً لا يمكنه أن يجزم بما يمكن أن يحدث لو تطورت حادثة القصف.
إن استبعاد الإسرائيليين أن يكون "حزب الله" هو الجهة التي تقف وراء اطلاق الكاتيوشا، واتهام مصدر أمني إسرائيلي "خلية إرهابية "على علاقة بـ"الجهاد الإسلامي" بما حدث، معناه أن الصواريخ المتباعدة التي تطير بين حين وآخر من لبنان الى إسرائيل لا يدخلها الإسرائيليون في اطار المواجهة العسكرية المستمرة ضد "حزب الله"، وإنما يعتبرون أن لها دوراً ووظيفة أخرى.
في لبنان وصف رئيس الحكومة فؤاد السنيورة هذه الصواريخ بأنها "رسائل" يجري ارسالها عبر لبنان. فما هي هذه الرسائل ومن الجهة التي تقف وراءها؟
ثمة من ربط اطلاق الكاتيوشا بحادثة الكشف عن معدات تجسس في سهل حولا تحديداً والتي قامت اسرائيل بتفجيرها آلياً، وبرفض إسرائيل الشكوى التي تقدم بها لبنان الى مجلس الأمن ومطالبته إسرائيل بوقف النشاط التجسسي الاسرائيلي في الجنوب واعتبار ما حدث خرقاً للقرار 1701.
فإذا كان هذا صحيحاً، هناك جهة محلية أرادت الرد على العنجهية الإسرائيلية في التعامل مع موضوع التجسس بطريقة مسرحية ومن هنا اختيارها سهل حولا مكاناً لإطلاق الصواريخ. وإذا ما علمنا أن أجهزة التجسس التي زرعتها إسرائيل في سهل حولا كانت تستهدف شبكة الاتصالات الخاصة بـ"حزب الله" في الجنوب، وهي في رأي المسؤول عن شعبة الاتصالات في الجيش اللبناني حديثة ولا تعود الى حرب 2006، لا يعود صعباً تحديد الجهة المحلية التي عملت إما مباشرة أو بالواسطة.
ثمة من ربط بين الحادثة والتقرير الذي قدمه موفد الأمين العام للأمم المتحدة تيري رود لارسن حول تطبيق القرار 1559، حيث هاجم فيه بشدة الميليشيات المسلحة الفلسطينية واللبنانية وبصورة خاصة "حزب الله". فوقوع الهجوم في المنطقة الواقعة تحت سيطرة "اليونيفيل" هو دليل آخر على عجز القوة الدولية على فرض احترام القرار 1701. ويظهرها في موقف العاجز عن ضبط ما يحدث في المناطق الواقعة ضمن نطاق مسؤوليتها. من هنا ما حدث قد يكون رسالة موجهة الى الأمم المتحدة، ومندوبها .
في إسرائيل ربطوا الحادثة بالتصريحات التي أطلقها وزير الدفاع إيهود باراك خلال الجولة التي قام بها على الحدود الشمالية قبل يومين حين قال إن "اليد اليسرى لإسرائيل ممدودة للسلام لكن اليد اليمنى تمسك بالبندقية ومستعدة لكل الاحتمالات". لذا فالحادثة هي مجرد تذكير للإسرائيليين من سكان الشمال بأن الخطر مستمر ودائم، وتذكير للجيش الإسرائيلي بمدى هشاشة الهدوء الذي يسود الحدود مع لبنان، وهي أيضاً اختبار لمدى جهوزية الرد العسكري وحجمه، والى أي حد يمكن إستفزاز الجيش الإسرائيلي على الحدود من دون التورط بمواجهة عسكرية شاملة.
وهذه النقطة بالذات تستحق المزيد من التوقف. فإذا كانت الصواريخ الأخيرة التي انطلقت في الحادي عشر من أيلول الفائت، تذكيراً من "القاعدة" لما حدث قبل تسعة أعوام؛ فإن كاتيوشا البارحة اختبار آخر لهامش المناورة على الحدود مع لبنان. هناك أكثر من جهة تريد أن تثبت من حين الى آخر بأن المواجهة العسكرية مع إسرائيل انطلاقاً من لبنان ما زالت أمراً وارداً وليس هناك من يستطيع الوقوف في وجهها لا القرارات الدولية، ولا وجود قوات الطوارىء، ولا الحكومة اللبنانية التي تريد أن تثبت للعالم ولإسرائيل أنها قادرة على ضبط حدودها والسيطرة على أراضيها، وهي التي تطالب إسرائيل ان بوقف طلعاتها الجوية، ونشاطها التجسسي على أراضيها.
لكن الرسالة الأساسية لكاتيوشا الأمس هي استمرار التعامل مع لبنان بمنطق "الساحة" والأحداث على الحدود مع إسرائيل بمنطق" الرسائل".




















