عندما نشرت مجلة "الاكسبرس" الفرنسية في ايلول الماضي صورة للمستشارة الالمانية أنغيلا ميركل بعد اعادة انتخابها، تراجعت مبيعات المجلة في فرنسا بنسبة 25 في المئة. وعندما كتب الوزير الفرنسي للشؤون الاوروبية بيار لولوش بعد ذلك بوقت قصير مقالاً في صحيفة "الموند" يتودد فيه الى برلين من أجل "علاقة لا مثيل لها في اوروبا والعالم"، ساد الجهة المقابلة لنهر الراين صمت بليغ.
ليست العلاقة المميزة بين قطبي اوروبا في أحسن حال. ولن يكون العشاء الباريسي مساء الاربعاء لساركوزي وميركل، في زيارتها التقليدية الاولى لفرنسا بعد ادائها اليمين، كافياً لتبديد الفتور واعادة الود القديم بين الجانبين. ولكن مع استعداد اوروبا لتعزيز موقعها على الساحة الدولية، باعتمادها معاهدة لشبونة التي تستحدث منصب رئيس لاوروبا ووزير للخارجية سعياً الى موازنة نفوذ اميركا والصين على الساحة الدولية، تتحضر الدولتان الكبريان للقارة القديمة لتجديد علاقاتهما. وأمام الجانبين استحقاقان بارزان يمثلان مناسبة لتحقيق ذلك. فساركوزي سيحضر الى جانب ميركل الاحتفالات بالذكرى العشرين لسقوط جدار برلين في التاسع من تشرين الثاني، في ما قد يعوض الموقف الضعيف الذي اتخذه الرئيس الراحل فرنسوا ميتران حيال اعادة توحيد المانيا، فيما ستكون هي الى جانبه عند قوس النصر في باريس في 11 تشرين الثاني لاحياء ذكرى الهدنة في الحرب العالمية الاولى، وهو ما سيشكل حدثاً في العلاقات بين البلدين، إذ لم يسبق لمستشار الماني أن زار فرنسا في ذكرى هزيمة المانيا عام 1918.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكلت العلاقة الفرنسية – الالمانية محركاً للتكامل الاوروبي، والقوة الرئيسية وراء انشاء الاتحاد الاوروبي وأخيراً العملة الاوروبية الموحدة. لكن الحماسة تراجعت خلال العقد الاخير، وتحديداً خلال السنوات الاربع الاخيرة لولاية ميركل التي سعت مراراً الى اخفاء استيائها من تعالي ساركوزي الذي غالباً ما أبدى بدوره ضيقاً مما اعتبره افتقار المستشارة الى العزم.
اختلفت العلاقات الشخصية المتوترة أحياناً بين ساركوزي وميركل كثيراً عن مظاهر الود العلنية بين أسلافهما، وخصوصاً هلموت كول وفرنسوا ميتران اللذين تحولت مصافحتها التاريخية في 25 أيلول 1984 في فردان محطة في تاريخ المصالحة بين العدوين السابقين.
واختلفا على السياسات ايضاً. فقد رفضت ميركل فكرة ايدها ساركوزي تقوم على أساس رد اوروبي منسق على الازمة المالية العالمية، بما فيها استخدام اموال المانية لدعم دول مجاورة. وفي المقابل، دفعت في اتجاه تعزيز العلاقات القديمة مع روسيا، بما فيها الاقتصادية. فبعدما باع "سيمنز"، التكتل الصناعي الالماني، حصته في الشركة النووية الفرنسية "أريفا"، وقع عقوداً مع روسيا. وأخيراً، أثارت برلين اتهامات لها بالحمائية من المفوضية الاوروبية، بعدما عرضت مساعدة حكومية لكونسورسيوم روسي – كندي تعهد انقاذ وظائف المانية في شركة "أوبل"، الفرع الاوروبي لـ"جنرال موتورز".
عموماً، تبدلت طبيعة العلاقة بين المانيا وأوروبا في العقدين الاخيرين. فبعد الحرب، كان "رضا" باريس هماً اساسياً لالمانيا، عقب ثلاثة اجتياحات لجارتها في 70 سنة. وفي الاتحاد الاوروبي الذي انطلق من المجموعة الاوروبية للفحم والفولاذ عام 1951، جهدت المانيا لاستعادة شرعيتها المفقودة بتحولها "الصراف" الاساسي ووسيط الحلول التوافقية في القارة.
ولكن بعد توحيد البلاد وعودة العاصمة الى برلين وتوسع الاتحاد الاوروبي شرقاً، انتقلت المانيا الى قلب اوروبا، وابتعدت من بروكسيل، فلم تعد تشعر بالحاجة الى ابعاد الشبهات عنها وتسديد فواتير الحساب القديم، وهو ما تجلى في الازمة المالية الاخيرة. وحتى على الصعيد الشعبي، ثمة 20 مليون الماني شرقي لم يترعرعوا في الاتحاد الاوروبي، وهناك ملايين الالمان الغربيين الذين لا يرون القيمة المضافة لاوروبا. فمع علاقات قوية مع روسيا وتوافر الفحم، تظهر استطلاعات الرأي أن كثيرين باتوا يتساءلون: "ما حاجتنا الى اوروبا اذاً؟".
"ربيع" في عز "الخريف"
وفي عز الخريف الاوروبي البارد، ثمة رغبة على ما يبدو في ربيع جديد في العلاقات الفرنسية – الالمانية، وسط اقتناع متزايد في الاوساط السياسية للبلدين بانه "عندما لا تتفق فرنسا ولندن، لا تستطيع اوروبا المضي قدماً… وعندما يتفقان، تكون على الاقل ثمة فرصة". باختصار، إذا ارادت اوروبا ان تكون لها كلمة في الساحة الدولية، الى جانب اميركا والصين، "سيكون لهذه العلاقة دور مهم".
برزت في باريس أخيراً أفكار عدة للتعاون بين الجانبين، منها سعي الى اقناع الالمان بدعم استراتيجية صناعية جديدة لتشجيع استثمار مشترك في التكنولوجيا النظيفة، ومشروع اوروبي لاستقلال الطاقة، وتعاون اكبر في المجال الضريبي وغيرها.
وثمة حماسة كبيرة في اوساط الاعمال على ضفتي الراين لمزيد من التعاون. فقد اقترح رئيس مجلس ادارة شركة "أس آي بي" للبرمجيات ليو أبوتيكير دمج اتحادات موظفين من البلدين. وحضت مؤسسة "مونتانيه" المستقلة للابحاث في باريس حكومتي باريس وبرلين على تنسيق سياساتهما الضريبية ودمج أسواقهما المالية واصدار سندات مشتركة قيمتها 100 مليار اورو لتمويل مشاريع صناعية.
واذا كانت باريس وبرلين تنتظران فرصة مناسبة لتجديد علاقاتهما، فثمة الكثير منها هذا الخريف. فمع الحكومة الالمانية الجديدة، تحررت ميركل من تحالفها مع الحزب الديموقراطي الاشتراكي الذي استنفد كثيراً من طاقتها في المسائل الداخلية، وباتت مع الحزب الديموقراطي الحر أقرب الى المواقف الفرنسية في شؤون الطاقة النووية وعضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي، وإن يكن ليس واضحاً بعد موقف زعيم الليبراليين غيدو فسترفيلله من تجديد العلاقة مع فرنسا. فخلال حملته، ركز وزير الخارجية الجديد على طريقة انعاش الاقتصاد الالماني، ولم يكن واضحا في المسائل الاوروبية الاوسع.
وفي شؤون المال والاعمال، لا يشاطر فسترفيلله فرنسا حماستها لتدخل حكومي، كما يتعارض مشروعه لخفض الضرائب واعتماد قيود مالية لخفض العجز مع خطط ساركوزي للخروج من الازمة باصدار سندات حكومية.
ومع ذلك، تقول المديرة العامة لـ"مؤسسة روبير شومان" باسكال جوانان إنه عندما يتعلق بالامر بالعلاقة مع فرنسا، يعود الى المستشارية، لا الى وزارة الخارجية، اتخاذ القرار.
والى الحكومة الجديدة في المانيا، تشكل المصادقة المرتقبة على معاهدة لشبونة، كما توقع فوز المحافظين المشككين في اوروبا في الانتخابات البريطانية المقبلة، أسباباً اضافية لفرنسا وبرلين لتجاوز خلافاتهما.
تعود المحاولة الاخيرة للدفع نحو مزيد من التكامل بين باريس وبرلين الى عام 1994، وحصل ذلك على شكل وثيقة كتبها وزير المال فولفغانغ شويبله المقرب جداً من المستشار السابق هلموت كول، والناطق باسم الاتحاد المسيحي الديموقراطي للشؤون الخارجية كارل لامرز. في حينه، حدد الرجلان شكلاً لاوروبا جديدة تشكل فيه فرنسا والمانيا "قلب " القارة.
اليوم، تدفع فرنسا، التي لم ترد على ذلك الاقتراح الالماني، في اتجاه علاقات أكثر وثوقاً.
ويقول لامرز المتقاعد: "اعتقد ان الجانبين فهما الرسالة". وفي رأيه ان ساركوزي أدرك ايضاً انه اقترف أخطاء في الماضي، في اشارة الى مبادرة الرئيس الفرنسي الى انشاء الاتحاد من أجل المتوسط الذي اغضب برلين عام 2007.
… مؤشرات كثيرة تدل على أن الجانبين أدركا حقاً حاجة كل منهما الى الآخر، فهل يعودان، كما كانا، محركاً للاندماج الاوروبي، أم تتحول خلافاتهما عائقاً امام الخطط الاوروبية الموعودة؟
موناليزا فريحة
"النهار"




















