من بين ما قال المتحدثون باسم حركة "حماس" أنه حال دون توقيع وثيقة المصالحة مع حركة " فتح " والفصائل الفلسطينية الأخرى، عبارة في الوثيقة تنص على "حظر تشكيل التنظيمات المسلحة" في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي حين لمّح بعضهم الى أن العبارة أضيفت الى النص في اللحظة الأخيرة، ومن دون علم "حماس"، فقد اعتبروها دليلا على نيّات مبيتة لدى "فتح" – وطبعا لدى مصر، بصفتها واضعة الوثيقة – لمنع المقاومة من العمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل لالغائها نهائيا كسلاح للشعب الفلسطيني في مواجهة قوات الاحتلال.
وبالرغم من توضيحات "فتح" من جهة، ومصر من جهة ثانية، بأن القصد من العبارة هو المجموعات المسلحة التي تنتشر في الأحياء والشوارع تحت شعار المحافظة على الأمن، أي عمليا الميليشيات التي تقيمها الفصائل على هامش عملها، وأن المقاومة في الأساس عمل سري ولا علاقة له – كما كانت الحال في قطاع غزة سابقا – بالأمن الداخلي ولا بأمن الناس في الشوارع الذي يبقى مسؤولية أجهزة الأمن الرسمية التابعة للسلطة، فلم يفعل ذلك فعله لا في ما يتعلق بتحفظات "حماس" عن الوثيقة ولا في ما يتعلق بتحديد موعد للتوقيع عليها.
ومن دون الدخول في أية تحفظات أخرى ربما تكون موجودة لدى "حماس" أو لدى غيرها من الفصائل، أو في حاجة الفصائل وقياداتها الى "ميليشيات" كاملة العدة والعدد لحمايتها، فقضية "المقاومة" في قطاع غزة أو الضفة الغربية، فضلا عن أدواتها وطرقها وأساليبها، تستدعي عددا من الملاحظات الصريحة التي ينبغي قولها على الشكل الآتي:
أولا – في الأدوات والطرق والأساليب
في ظل الاجراءات الاسرائيلية التي طاولت حتى العمال الفلسطينيين الذين كانوا يدخلون يوميا للعمل وراء "الخط الأخضر"، ثم اخضاع من يسمح له بالدخول لتفتيش دقيق، ثم بناء جدار الفصل العنصري في الضفة والقطاع، ثم تطويق مناطق السلطة من كل جوانبها بما في ذلك البحر، لم يعد عمليا أمام المقاومة الفلسطينية بصيغتها السابقة سوى ما تفعله من ناحيتها منذ سنوات: اطلاق بعض الصواريخ البدائية وقليلة الفاعلية من وراء الحدود الى مناطق قريبة من هذه الحدود.
وغني عن القول في هذا السياق، أن الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج – وكذلك مؤيديه من العرب وفي العالم – بات مدركا تماما، خاصة بعد العدوان البربري الأخير على القطاع، كارثية التبعات البشرية والاقتصادية والاجتماعية والحياتية، وحتى "المقاوماتية"، لاستخدام مثل هذا الأسلوب من المقاومة لقوات الاحتلال. والآن، فعام كامل يكاد يمر على العدوان فيما لا يزال أهل غزة يعيشون في العراء، من دون أن يتمكنوا من اعادة بناء ولو جزء ضئيل جدا مما ألحقته الآلة الحربية الاسرائيلية بمنازلهم ومزارعهم ومحلاتهم التجارية فضلا عن البنية التحتية لمدنهم ومخيماتهم.
لا يعني ذلك دعوة الشعب الفلسطيني، أو فصائله السياسية والعسكرية، لانهاء مقاومته لقوات الاحتلال، أو لخضوع هذا الشعب لما يفرضه عليه العدو من شروط استسلامية، وانما أساسا وقبل كل شيء لابتداع طرق وأساليب جديدة للمقاومة قد لا يكون السلاح، بل السلاح وحده كما يظن البعض، في رأس أولوياتها وحتى من بينها أصلا.
وفي الواقع العملي، فعندما وافقت حركة "حماس" على هدنة – ولو موقتة زمنيا – في قطاع غزة، كما هي الحال منذ انتهاء العمليات العسكرية في كانون الثاني الماضي، اعترفت بطريقة أو بأخرى بأن ما كان قبل العدوان (اطلاق الصواريخ) لم يصبّ في نهاية المطاف في خدمة الشعب الفلسطيني، ولا حتى في خدمة المقاومة ذاتها. وأنه لا بد اذا من البحث عن أسلوب آخر وعن أداة أخرى لمواصلة النضال في مواجهة العدو لاحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
ثانيا – في الظروف الموضوعية والآنية
اذا كانت جغرافيا الأراضي الفلسطينية المحتلة على ما هي عليه، وكان الملايين الأربعة من أهلها – ومن المقاومين أيضا – يعتمدون في قوت يومهم ومياه شربهم واستهلاكهم الطاقة الكهربائية وغاز الطبخ الخ… على ما يأتيهم (أو لا يأتيهم؟!) من اسرائيل التي تطوقهم بحواجزها وقواتها المسلحة من كل جانب،
واذا كانت "فيتنام العرب" هذه لا تملك الى جانبها ما يوازي بشكل ما الصين أو الاتحاد السوفياتي خاصة بعد تجربتي المقاومة في الأردن ولبنان من ناحية والتزام مصر والأردن باتفاقي سلام مع اسرائيل من ناحية ثانية؛
واذا كانت الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها قد تحولت "حركات" متباينة، بل متناقضة، لكل منها تحليلها للوضع وأسلوبها في العمل، فضلا عن أن يكون بعضها قد حمل السلاح ضد البعض الآخر وأن تكون احداها قد "استقلت" بجزء من الأرض تقاتل منه الأخرى؛
فالسؤال البديهي الذي يطرح نفسه هو: أية "مقاومة" فعلية وناجحة، يمكن أن تجد رحما لها في هذه الظروف الموضوعية والآنية، الفلسطينية الذاتية أو حتى العربية والاقليمية فضلا عن الدولية؟!
وفي المجال الدولي تحديدا، لا ينبغي أن يشك عاقل، ومن الفلسطينيين بالذات، في أن ما بعد انتهاء الحرب الباردة في العالم لا يشبه في شيء ما كان في أثنائها.
ثالثا – في الاستفادة من عبر التاريخ
بالرغم من كل ما يقال عن "انتصارات" عسكرية ضد قوات الاحتلال في غزة، بعد مثيلتها في لبنان، يقتضي الاعتراف بأن المقاومة الفلسطينية المسلحة أدت دورا كبيرا وبالغ الأهمية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي (عمليات فدائية في الداخل والخارج، خطف طائرات، وملاحقة كادرات الاحتلال على مساحة العالم)، لجهة لفت نظر العالم الى قضية فلسطين التي كانت منسية قبل ذلك. كما أنها قامت بأعمال بطولية مشهود لها عربيا ودوليا، إن في أراضي العام 1948 أو في أراضي العام 1967 أو في غور الاردن وجنوب لبنان، تأكيدا لحقها المشروع في المقاومة ولحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه. وأوصلت قائد مسيرتها الشهيد ياسر عرفات الى منصة الأمم المتحدة وهو يحمل غصن زيتون بيد وسلاح المقاومة المنتصرة باليد الأخرى.
وبصرف النظر عن الرأي، بل الآراء المتباينة، في اتفاقات أوسلو التي تم توقيعها في وقت لاحق وما بلغته من فشل ذريع على أكثر من صعيد، يجب الاعتراف أيضا بأن أهم ما حققته المقاومة الفلسطينية وساهم في الوصول الى هذه الاتفاقات كان الانتفاضة الشعبية الأولى، انتفاضة أطفال الحجار مطلع التسعينات. تلك الانتفاضة "الشهيدة" التي يتفق الجميع على أن زميلتها الثانية قد اغتالتها عندما لجأت الى استخدام السلاح.
• • •
لا يزال العدو الاسرائيلي هو العدو ذاته، لكنه ازداد قوة و"تحصينا" لنفسه من الداخل وفي الأراضي المحتلة على مر الأيام.
ولا تزال مقاومة الشعب الفلسطيني لهذا العدو، ومن أجل حقوقه المقدسة، هي المقاومة ذاتها من دون تغيير أو تبديل، لكنها تزداد ضعفا مع الايام ما لم تبتدع لنفسها أساليب جديدة وأدوات جديدة تتلاءم مع الظروف التي تحيط بها في جانب وتحول بينها وبين تحقيق أهدافها في جانب آخر.
ثم هل توصم هذه السطور بالخيانة، أو بالاستسلام، اذا انتهت ما الى القول انه ليس بالسلاح وحده تكون المقاومة؟!
ألم يوصف المهاتما غاندي ونلسون مانديلا، في أدبيات الفلسطينيين وغيرهم، بأنهما أبرز وربما أنجح مقاومين في القرن العشرين؟!
"النهار"




















