قامت إسرائيل أصلاً، بوصفها مشروعا استيطانيا اقتلاعيا، وعبر هذه الممارسة تم الاستيلاء على أراضي فلسطين التي طرد أصحابها وباتت الخزان الذي خدم دولة إسرائيل في جلبها المستوطنين بعد إعلان قيامها. وإذا تم تكريس هذا الاستيطان كأمر واقع بالاعتراف الدولي بدولة إسرائيل، إلا أن إسرائيل لم تقف عند حدود هذا الاعتراف، بشرعنة دولة إسرائيل على رقعة جغرافية معينة. فلم تقف إسرائيل عند حدود ونتائج حرب العام 1948. سرعان ما اعتمدت سياسات استيطانية بعد انتصارها في حرب العام 1967 ووقوع أراض عربية وفلسطينية تحت سيطرتها. صحيح أنها لم تنجح في سياسات الاقتلاع كما نجحت في العام 1948، إلا أنها تواصل وبشكل مستمر وحثيث الاستيلاء على الأراضي عبر السياسات الاستيطانية في الضفة الغربية. وقد ظهر واضحاً موقع الاستيطان في السياسات الإسرائيلية في المعركة الأخيرة التي خاضتها حكومة بنيامين نتنياهو مع الإدارة الأميركية من أجل الاستمرار بالاستيطان.
ورغم كل المحاولات الإسرائيلية من أجل تشريع الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي العربية التي احتلت العام 1967، ما زال المجتمع الدولي ينظر إلى هذا الاستيطان بوصفه ممارسة غير قانونية وغير شرعية، ولم يعترف بشرعية المستوطنات حتى حلفاء إسرائيل الأقرب. ولكن ذلك لم يمنعها من التوسع الاستيطاني. ولم يتوقف الاستيطان بفعل توقيع "اتفاق أوسلو" الانتقالي في العام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والذي ولدت بموجبه السلطة الفلسطينية، رغم نصه على عدم التأثير على قضايا "الحل النهائي" والذي يشكل الاستيطان واحدة من قضاياها الرئيسية. ولم يتوقف الاستيطان بفعل "خريطة الطريق" التي قدمتها إدارة بوش الابن ووافق عليها الطرفان. وبدل الالتزام بعدم فرض وقائع على الأرض، استمرت إسرائيل في البناء في المستوطنات، مما ضاعف عدد المستوطنين منذ توقيع اتفاقات أوسلو حتى اليوم.
يبلغ اليوم عدد المستوطنين في الأراضي الفلسطينية نصف مليون مستوطن أقاموا منازلهم على أراض فلسطينية محتلة. منهم 200 ألف مستوطن يسكنون في القدس الشرقية التي وسعتها إسرائيل وضمتها إلى إسرائيل بعد احتلال العام 1967. وهناك 300 ألف مستوطن يسكنون المستوطنات الموزعة في الضفة الغربية، يحولونها إلى جغرافيا مثقبة، تشبه الجبنة السويسرية، ما يمنع التواصل بين الأراضي الفلسطينية.
صدرت عن الأمم المتحدة عشرات القرارات التي تدين البناء الاستيطاني. كما يطالب المجتمع الدولي واللجنة الرباعية بوقف فوري للاستيطان الإسرائيلي. وفي زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الأخيرة لأوروبا طالبه القادة الأوروبيون بـ"وقف النشاط الاستيطاني" كما أن إدارة أوباما طالبت بوقف البناء في المستوطنات، من أجل العودة إلى المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، إلا أن الحكومة الإسرائيلية، ما زالت مستمرة في البناء في المستوطنات على مرأى ومسمع المجتمع الدولي، حتى ان الإدارة الأميركية تراجعت عن مطلبها وقف النشاط الاستيطاني، رغم ما قاله الرئيس باراك أوباما في خطابه الأخير أمام الأمم المتحدة: "إن أميركا لا تقبل مشروعية استمرار الاستيطان الإسرائيلي." ولكن هذا الموقف لم يعد يرتبط بوقف الاستيطان، وقد استخدمت الإدارة الأميركية تعبيرا بديلا، وهو "كبح الاستيطان" .
لا شك بأن التراجع الأميركي عن مطلب "وقف الاستيطان" الذي بدا مبشراً بسياسات جديدة يمكن أن تشكل اختراقاً على مسار التسوية المتعطلة، سرعان ما بث الإحباط وأضعفت الطرف الفلسطيني الذي ضغطت عليه من أجل حضور القمة الثلاثية على هامش قمة الأمم المتحدة.
الاستيطان الإسرائيلي ليس مسؤولية فلسطينية فحسب، بل هو مسؤولية دولية، والموقف الدولي المتساهل، وتحديداً الأميركي والأوروبي، رغم عدم اعترافه بهذه السياسات، يسهم في تأجيج الصراع، ويضع الفلسطينيين في زاوية اليأس.
وبمسؤوليتها المباشرة وغير المباشرة تستطيع الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي أن يديرا سياسة ضاغطة على إسرائيل تدفع باتجاه الوقف الكامل للاستيطان، لأن الاستيطان يؤثر وبشكل كبير على مصير ومستقبل "حل الدولتين" الذي يطالب به المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، واستمرار إسرائيل في بناء المستوطنات، بعد المطالبة الأميركية والدولية بوقفها، تجعل إسرائيل أكثر ثقة بسياستها التي تقوم على مبدأ قديم يقول: "سيطر على أقصى قدر تستطيعه" وهذه السيطرة هي التي تقرر مصير الأراضي التي يبتلعها الاستيطان، لأن الموقف الدولي ليس له قيمة على أرض الواقع، وهذا يعطي إسرائيل الحق بالتأثير على المصير النهائي للحل في المنطقة، ولا يعطي الفلسطينيين سوى كلمات الإدانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تفيدهم في خسارة أرضهم يوماً بعد يوم.
"المستقبل"




















