منذ نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي، حكي كثيراً عن صراع الحضارات. فهل أن الصراع هو ميزة أساسية من ميزات الفكر الغربي وبخاصة الواقع الغربي ؟
يكشف تفحّص حالة الصراع على الساحة الأوروبية على المستوى الفكري والواقعي أن الصراع يشغل مساحة محورية في المزاج الأوروبي وذلك استناداً إلى الحقائق الأساسية التالية :
إن المزاج الأوروبي صراعي بطبيعته، بذوره الجينية تجسّدت في رؤية الصراع كأسلوب أمثل للتفاعل في الحضارتين اليونانية والرومانية ثم الصراعات التي وقعت على الساحة الأوروبية في مراحل عديدة إبتداءً من عصر النهضة وحتى عصر العولمة، حيث تفجّرت هذه الصراعات على جبهات عديدة. تارةً كانت هذه الصراعات مع الكنيسة وهي الصراعات التي أثمرت الإصلاح الديني وانطلاق الثورة العلمية أو الصراع بين الكنيسة والدولة الإقطاعية الأوروبية، وهو الصراع الذي أثمر استقلال الدولة عن الكنيسة وفصل الدين عن الدولة. إضافة إلى الصراعات الداخلية التي قامت بين الجماهير والدولة المستبدة، وهو الصراع الذي أثمر النظام السياسي الجمهوري وصيغة حقوق الإنسان. وأخيراً الصراع الطبقي داخل المجتمعات الأوروبية إبان الثورة الصناعية وهو الصراع الذي أنتج آليات عديدة لاحتواء احتمالات تفجّره، يضاف إلى ذلك الصراعات الأخرى كصراع الدول الغربية مع بعضها البعض، وهو الصراع الذي بلغ ذروته في قيام حربين عالميتين انطلاقاً من الساحة الأوروبية.
تفجرت الحرب العالمية الأولى والثانية، غير أنه في أثناء الحروب وبعدها تفاعل عدد من الحضارات من خلال بعدين وهما:
غالبية وقائع الحرب، خاصة الحرب العالمية الثانية، دارت رحاها على أرض الجنوب، وأن أبناء هذه الحضارات شاركوا في صراعات الحضارة الغربية وساعدوا على حسم نتائجها.
أن غالبية مجتمعات الجنوب التي شاركت في الحرب بدأت تطالب بالاستقلال بعد انتهاء الحرب.
وفي مرحلة الحرب الباردة حتى سقوط الإتحاد السوفياتي: أصبح من الواضح بروز حقيقتين، الأولى أن الحضارة الرأسمالية الغربية هي الطرف الدائم في الصراعات القائمة والمحتملة، والثانية أنه يوجد صراع قائم فعلاً بين الحضارة الاشتراكية والحضارة الرأسمالية، باعتبارها تمتلك مصادر القوة العسكرية المتناظرة لا المتساوية، إضافة إلى صراع محتمل مع الحضارة الإسلامية لأن شعوبها تمتلك مصادر الطاقة، والأسواق والمواقع الاستراتيجية، وكلّها موارد تحتاجها الرأسمالية الغربية.
وقد شغل الصراع بين الكتلة أو الحضارة الاشتراكية والحضارة الغربية الرأسمالية الفترة التي بدأت مع نهاية الحرب العالمية وامتدت حتى انهيار الاتحاد السوفياتي مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين (1991) . وقد بدأ هذا الصراع مع قيام الكتلة الاشتراكية انطلاقاً من ثورة اكتوبر سنة 1917 في أعقاب الحرب العالمية الأولى مستندة إلى المبادئ الماركسية ـ اللينينية باعتبارها تشكّل البعد العقيدي لهذه الحضارة. وقد سعت هذه الكتلة الحضارية إلى امتلاك أسباب القوة وقد نجحت في ذلك حينما سبقت الغرب بإطلاق أول قمر صناعي يسبح في فضاء العالم. كما شرعت الكتلة الاشتراكية في تأسيس تحالفات مع مجتمعات العالم الثالث في سعي لتدعيم قوتها ووجودها على الصعيد العالمي، وذلك لتطويق الكتلة الرأسمالية الغربية وفرض القيود على حركتها. ذلك يعني أنه مع قيام الاتحاد السوفياتي بدأ الغرب يتعرّف الى نفسه من خلال الآخر الشيوعي الذي أصبح نقيضاً له على الصعيد الاقتصادي والإجتماعي والثقافي.
أما في مرحلة القوّة العالمية العظمى الواحدة، فقد أدّى انهيار الكتلة الاشتراكية الحضارية إلى أن قفزت الحضارة الرأسمالية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية إلى قمة القوة الحضارية العالمية. وبذلك دخل العالم مرحلة حضارية جديدة، مرحلة القوة العالمية العظمى الواحدة التي تربعت على عرش العالم، والتي لا تدانيها من حيث إمكانياتها الاقتصادية والعسكرية والتقنية والإعلامية قوة أخرى.
ارتباطاً بذلك بدأت تظهر معالم نظام عالمي جديد لا تزال تفاصيله موضع جدل داخل الولايات المتحدة الأميركية ذاتها. حيث اتجه كثير من أعضاء النخبة الأميركية إلى تبنّي الدعوة إلى الانفرادية، وغالبيتهم من "المحافظين الجدد" الذين يرون ضرورة أن تستبد الولايات المتحدة باتخاذ ما تراه من قرارات وسياسات تحقق مصالحها، وتعمل على نشر قيمها من غير تقيّد بأعراف ولا قوانين دولية ولا بمؤسسات عالمية كالأمم المتحدة. وذلك باعتبارهم القوة الاقتصادية والعسكرية الكبرى التي لا تدانيها قوة في العالم. ويؤكّد ذلك أن ميزانية وزارة الدفاع الأميركية هي أكبر من مجموع ميزانيات الدول الاثنتين والعشرين التي تأتي بعدها.
وفي زهوة الانتصار والتربّع على قمة النظام العالمي اعتقد عامة الأميركيين أنهم أصحاب رسالة عالمية، وأن عليهم أن يصلحوا أحوال الحضارات الأخرى التي اعتقدوا أنها مهددة لهم. وأن هذه رسالتهم التي هي رسالة الحرية، فهم لا يرون أنفسهم أقوى الدول فقط، وإنما هم خيرها كذلك. فهم يزعمون أنهم أكثر الناس تديناً وأشد تمسكاً بالأخلاق الفاضلة، كما يرون أن نظامهم السياسي هو أحسن نظام، ودستورهم أحسن وثيقة كتبت في التاريخ، ونظامهم الاقتصادي أنجح نظام وقضاؤهم أعدل قضاء، ونظامهم التعليمي أرشد نظام ونظامهم الصحي أفيد نظام.
من هنا يبدو أن صراع الحضارات هو السمة الغالبة في الحضارة الغربية.
"المستقبل"




















