عبدالله اسكندر
التبرير الذي قدمه الرئيس محمود عباس لإعلان امتناعه عن الترشح لولاية رئاسية جديدة في الانتخابات التي قررها مطلع السنة المقبلة ركز على الإحباط من الموقفين الأميركي والعربي من قضية الاستيطان الإسرائيلي. وبغض النظر عن مآل هذا الإعلان واحتمال عودة عباس عن موقفه، يكشف التبرير عمق المأزق الذي تمر فيه عملية السلام، ومشروع إقامة الدولة الفلسطينية. ويكشف أيضاً عمق مأزق العمل السياسي الفلسطيني. وهذا هو الجانب الأخطر في الإعلان.
ولا يقلل من هذه الخطورة تفسيرات تتحدث عن مناورة قام بها عباس لأسباب سياسية، سواء لجهة الضغط على القيادة الفلسطينية أو استدرار ضغط أميركي على إسرائيل في موضوع الاستيطان الذي كان وراء الإحباط.
الأرجح ان الرئيس الفلسطيني صادق في إعلانه، وهو المعروف عنه عزوفه عن مسؤولية لا يرى نفسه قادراً على تلبية متطلباتها. وهو قال ذلك، ضمناً، في اجتماعاته مع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واللجنة المركزية لـ «فتح». ويُفهم من كلامه أن الوضع الحالي يمنع قيام الدولة الفلسطينية التي وضعها هدفاً له، بفعل السياسة الإسرائيلية وبفعل الموقف الأميركي.
والسؤال هنا، في السياسة الفلسطينية، هو عن كيفية العمل من أجل دفع إسرائيل الى التزام متطلبات السلام وكيفية حمل الولايات المتحدة على تفعيل ضغطها من أجل تحقيق هذه المتطلبات. والإجابة عن هذا السؤال مرهونة بالوضع الداخلي الفلسطيني أولاً، وبقدرته على وضع استراتيجية جديدة تأخذ في الاعتبار ما تم تحقيقه حتى الآن في ظل السلطة والبناء عليه، من أجل استعادة الوحدة المفقودة. كما تأخذ في الاعتبار العناصر التي أوصلت العملية السلمية الى مأزقها الحالي.
في شق استعادة الوحدة، تلح عملية المصالحة مع حركة «حماس» وتوحيد الشعب الواحد في قطاع غزة والضفة الغربية، هذه الوحدة التي يبدو من دونها أي عمل فلسطيني عملاً فصائلياً، وتالياً عاجزاً عن التأثير في تغيير المعادلة الحالية. مثل هذه المبادرة ليست سهلة على الاطلاق، كما أظهرت تعقيدات المفاوضات، في إطار مبادرة المصالحة المصرية.
في شق العملية السلمية، ظهر بوضوح حتى الآن أن التزام «خريطة الطريق» من الجانب الفلسطيني وحده لم يؤد الى أي نتيجة. ما يفرض إعادة نظر في هذه الاستراتيجية، ووضع تصور جديد. على أن يؤخذ في الاعتبار ما تم بناؤه على مستوى السلطة، وأيضاً على مستوى ابتداع أشكال من العمل لإجبار إسرائيل على التزام هذه «الخريطة». وهذا ما يفتح أفقاً عملياً لاستعادة الوحدة الفلسطينية. أو على الأقل يضع خياراً جديداً، لن تكون «حماس» قادرة على تجاهله من دون أن تعرض نفسها لخسارة شعبية.
لقد اختار عباس فترة الوقت الضائع من أجل إعلان عزوفه، في الوقت الذي كان من الممكن الاستفادة من هذا الوقت لإعادة النظر في السياسة الحالية نحو استراتيجية جديدة تعيد الاعتبار الى أشكال المقاومة الممكنة للاحتلال، ومنها المقاومة السلمية التي كان الرئيس الفلسطيني أبرز الداعين إليها خلال الانتفاضة الثانية. ومثل هذه الاستراتيجية تأخذ في الاعتبار أيضاً الوضع المؤسساتي الفلسطيني الذي ينبغي تكييفه مع مستلزمات تقوية الوضع الداخلي. بما في ذلك الدعوة الى الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
لكن إعلان العزوف أعطى، خصوصاً للشعب الفلسطيني، رسالة معكوسة فيها الإحباط والقنوط بدل الدعوة الى الاستعداد لمرحلة جديدة من المواجهة والأمل بضرورة تحقيق آمال هذا الشعب.




















