تحدث اللواء أحمد سليمان مدير الإدارة العامة في وزارة الدفاع السورية عن خطط التطوير التي أعدّتها المؤسسة العسكرية السورية فيما يتعلق بنظام الخدمة داخل المؤسسة العسكرية والتي استهدفت “القواعد البشرية فيها (احتياط، متطوعين، خدمة إلزامية)” حيث أن اللواء لم يتحدث أبداً عن أي تطورات على مستوى العقيدة العسكرية أو الهياكل العسكرية لتشكلات الجيش.
تَحدّث اللواء عن حركة تسريح كبيرة تبدأ من الشهر الحالي حزيران/يونيو 2024 وتمتد إلى نهاية عام 2025 وتشمل حوالي 142 ألف عنصر، وبرر اللواء عملية التدرّج في التسريح لضرورة التماشي مع أربعة تحديات للتغلب عليها، هي:
1- ضرورة التعويض المستمر لمن يتم تسريحه.
2- التماشي مع ضرورة رفد المؤسسة العسكرية بدماء جديدة قادرة ومُؤَهّلة على التناغم مع حركة التطوير داخل المؤسسة.
3- المرونة العالية المطلوبة من التشكيلات العسكرية وقادتها على التماشي مع حركة التحوّل التي تتم داخل المؤسسة.
4- مراعاة أن عمليتي التسريح والرفد (متطوع أو إلزامي) تتمان والجيش في حالة حركة مستمرة وليس في حالة ركود (أي أنه يقوم بعمليات قتالية وليس فقط التجهيز لعمليات قتالية محتملة).
تحدث اللواء سليمان عن تفاصيل عقود التطوع والميزات المقدّمة للمتطوع على مستوى الفرز والتعليم وخدمة الاحتياط بعد انتهاء العقد التطوعي، كما أكدّ اللواء سليمان على مرونة المؤسسة العسكرية في التعامل مع ما يسمونهم “الفارين من الخدمة” بهدف استقطاب أكبر شريحة منهم.
الدماء الجديدة
نرى مما سبق أن الدماء الجديدة التي يُراد ضخُّها في المؤسسة العسكرية سيتم إعدادها لتكون ذات مواصفات جسدية وعلمية مختلفة عن السابق مع مراعاة الفرق بين العنصر البشري المتطوع (عقد أو دائم) والعنصر البشري الملتحق إلزامياً وكذلك مع مراعاة مراحل عملية التطوير والتحديث.
العنصر المتطوع ستكون له برامج ذات طابع تخصصي في المؤسسة العسكرية لأنه الحامل المنشود لعملية التطوير والتحديث المراد تطبيقها، بينما العنصر المُلتَحِق إلزامياً سيتم التعامل معه كعنصر رديف للعنصر المتطوع مع عدم إمكانيته الالتحاق بالبرامج التخصصية في المؤسسة العسكرية أي أنه سيتم التعامل معه كعنصر ذي مهمة قتالية فقط وليس كعنصر قيادي تخصصي.
مع دخول روسيا للحرب في سوريا وإدراكها السريع لطبيعة التحديات التي تواجهه المؤسسة العسكرية الروسية والسورية في ميادين القتال بالتوازي مع سعيها المستمر لمجاراة الطبيعة الجديدة والمتغيرة للحروب بدأت روسيا العمل وفق منهجية جديدة داخل المؤسسة العسكرية السورية هدفها إنشاء جيش متطور وحديث يستطيع مواجهة التحديات الجديدة، وقادر على التأقلم مع طبيعة الخصوم المتنوعة والمتطورة باستمرار، والأهم قدرته على تقديم منتوج عسكري “على الأصعدة التكتيكية والاستراتيجية” يخدم بشكل مباشر الإرادة السياسية للدولة ويُحقق أهداف الاستراتيجية العليا.
المستوى الاستراتيجي
من الواضح أن روسيا وضعت أهداف على المستوى الاستراتيجي في عملية التطوير والتغيير التي تنشُدها داخل المؤسسة العسكرية السورية، نستطيع قراءة بعضها في تشكيلاتها التي تدعمها وتُشرف عليها مثل – الفرقة 25 مهام خاصة -، ويمكن ذكر هذه الأهداف بما يلي:
1- تفعيل دور العنصر المتطوع “بعقد أو دائم” المتخصص والمُتقن لطبيعة الحرب الجديدة والقادر على التأقلم مع التحديات التي تفرضها الحرب على مستوى التخطيط والقيادة والسيطرة، واردافه بعناصر مُدَرَّبة وقادرة على تنفيذ أوامره الميدانية بشكل سريع وصحيح.
2- قدرة الضباط المستقبليين على اتخاذ قراراتهم بشكل مستقل في الميدان “على مستوى التكتيك والعمليات” دون الرجوع بشكل مستمر للقيادات العليا في الأركان العامة، ما يشير لرغبة روسية في تخفيف حالة المركزيّة الشديدة المُطبَّقة داخل الجيش السوري اليوم في غالب تشكيلاته خاصة تلك التي تخوض عمليات قتالية.
3- إحداث تغيير على مستوى البنية الهيكلية داخل التشكيلات العسكرية، تَظهَر الرغبة الروسية في تغيير البنية الهيكلية الإدارية داخل الجيش من بنية ثلاثية (كل ثلاثة تشكيلات صغيرة تُشكّل تشكيل كبير، ثلاث كتائب تُشكل لواء وثلاث ألوية تُشكّل فرقة وهكذا للأعلى والأسفل) إلى هيكلية خماسية أو أكثر حسب الحاجة، والمغزى من هذا قد يكون جمع التشكيلات العسكرية المتخصصة في تشكيل واحد قادر على التحرك بشكل مباشر وسريع ومستقل دون الحاجة كما في السابق للتنسيق مع تشكيلات تخصصية لتقدم الدعم له أثناء العملية القتالية، كالتنسيق الذي كان يتم بين تشكيل المشاة وتشكيل الدبابات عند القيام بعملية عسكرية.
4- مراعاة طبيعة الخصوم المنتشرين على الجغرافيا السورية والذين بغالبهم من صنف جماعات ما دون الدولة وصنف آخر هم جيوش نظامية تابعة لدول، الخصوم ممن هم ما دون الدولة يشتركون في مواصفات تنظيمية وعسكرية وفكرية لم يكن الجيش السوري قادراً على مجاراتهم بها قبل اشتراك الروس في الحرب محمّلين بخبرتهم التي اكتسبوها من حروب أفغانستان والقوقاز وحاليا أوكرانيا.
عجلة التغيير والتطوير
إصرار المؤسسة العسكرية السورية الواضح على التحول نحو جيش أكثر تطورا واحترافيةً والرغبة الروسية الجارفة التي تقف خلف هذا الإصرار تواجهه العديد من التحديات لا يبدو إلى الآن ماهي الاستراتيجيات المُتَّبعة في تَخطّيها من السوريين والروس كذلك.
أبرز هذه التحديات:
1- النهج الإيراني المتمثل في إنشاء تشكيلات عسكرية ذات قاعدة أيديولوجية مرتبطة بالمشروع الإيراني، وهيكلية ميليشياوية تتماشى مع العقيدة العسكرية الإيرانية للتشكيلات التي تدعمها خارج الحدود، كذلك القدرة على مجاراة الإغراء المالي المقدم من الإيرانيين للمنتسبين الجدد سيعيق المؤسسة العسكرية السورية عن جذب اهتمام هؤلاء المنتسبين رغم ما قدمته من عروض للمتطوعين.
2- الطبقة القديمة من الضباط الأمراء وقادة الفرق والتشكيلات العسكرية غير الراغبين في فقدان صلاحياتهم الواسعة التي اكتسبوها من مواقعهم القيادية لصالح رياح التغيير التي سيقودها الضباط وصف الضباط الجدد الصاعدون بسرعة.
3- حالة التطور المستمر والسريع للخصوم ممن هم مادون الدولة وقدرتهم على التأقلم مع التحديات الجديدة التي يخلقها الروس والمؤسسة العسكرية السورية (كما نرى اليوم حالة التحدي التي يخلقها تنظيم الدولة في البادية السورية أمام القوات الروسية والفرقة 25 مهام خاصة والتي تعتبر اليد الضاربة لجيش النظام السوري حالياً).
4- عدم الاستقرار السياسي في الإقليم مع احتمالية عودة نشوب الحرب على عدة جغرافيات محيطة في سوريا (جنوب لبنان – شمال العراق مثالاً) ما قد يشير لإمكانية عودة حالة عدم الاستقرار على الحدود وبالتالي دخول المزيد من العناصر الأجنبية والسلاح نحو الداخل السوري.
5- عدم التوصل لحل سياسي شامل للملف السوري ينهي حالة التقسيم الموجودة والتي من الممكن أن تنتقل من حالة السكون العسكري حالياً إلى حالة الاشتباك في أي لحظة.
باحث سوري في الشأن العسكري
- القدس العربي

























