دار، طيلة السنوات العشر الماضية، كثير من النقاشات حول ماهية الانتفاضات التي عرفتها دول عربية عدة، ضمن ما عُرف بـ«الربيع العربي» بموجتيه. كثير من المنتقدين رأوا أن تلك التحركات افتقرت إلى المفاهيم والوعي والبرامج، وكذلك التنظيم، كما أن أفقها كان محافظاً، أي أنها لم تخرج من الأطر الوطنية والأيديولوجية التقليدية لدول الاستقلال العربية، دعك من «سقوطها» السهل تحت هيمنة الإسلام السياسي، ومشاريعه التي يصعب اعتبارها «ثورية» أو تحررية، ما جعل فشلها محتوماً، بوصفها حركات تغييرية. رغم هذا، نادراً ما تم التشكيك بمصداقية نوايا المحتجين، ربما كانت تنقصهم الخبرة السياسية والتأطير الفكري، حسب ذلك المنظور، ولكنهم فعلاً كانوا يريدون «حريّة»، في وجه أنظمة استبدادية، خنقت كل إمكانيات الفعل والتعبير لعقود طويلة.
السؤال إذن دار حول ماهية «الحرية» المطلوبة، وليس صدق أو شجاعة من نادوا بها في الشوارع، ورغم انعدام البرامج وندرة الشعارات الجامعة، باستثناء الهتاف الغامض نسبياً «إسقاط النظام»، فيمكن اعتبار شعار «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، العائد للثورة المصرية، أحد أكثر الهتافات دلالةً على الأفكار التحررية للمحتجّين، فـ«العيش»، إضافة لمعنى «الخبز» في العامية المصرية، قد يعني أيضاً «الحياة الكريمة» واستمرارها؛ أما «الحرية» فتشير إلى الحقوق والحريات الأساسية، ومنها حرية التعبير والتنظيم السياسي والتعددية والمشاركة في السلطة؛ فيما تتعلّق «العدالة الاجتماعية» بكثير من المطالب الاجتماعية والاقتصادية، وعلى رأسها رعاية اجتماعية أكبر، وتوزيع أكثر عدالة للثروة.
إلا أن شيئاً ما اختلف بعد حرب غزة، وأثار بعض البلبلة والحيرة لدى كثير من الأفراد، سواء مِنَ المتمسّكين بذاكرة «الربيع»، أو الناقدين لها. إذ بدا أن الخطاب السياسي في المنطقة، عاد إلى ما قبل نقطة الانتفاضات العربية، على مشاكلها، بل ربما أمسى أكثر بدائية حتى من خطاب التحرر الوطني العربي التقليدي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. نتحدث هنا عن حماسة، يبديها أنصار التغيير، لمعارك لا تُعنى كثيرا بـ«العيش والحرية والعدالة الاجتماعية»، إذا ما تعلّق الأمر بقضية أكبر، مثل المعركة الوجودية مع العدو.
لم يفترض أحد يوماً أن جمهور «الربيع» قد تخلّى عن القضايا المركزية للوطنيات العربية، ولكن الافتراض، الذي بدا بديهياً، أنه سيناصرها بناءً على أسس من «الحرية» التي طالب بها في الشوارع والميادين، وهذا لا يبدو متسقاً للغاية مع تأييد ميليشيات في دول عربية متعددة، لا تقمع وتُفقر أبناء جلدتها فحسب، بل ساهمت بحروب أهلية، وارتكبت مجازر جماعية مروّعة، ورسّخت اقتصاد العصابات في قلب مجتمعاتها؛ كما أن معاركها لا تبدو ذات نتائج مفيدة، حتى لـ«الأرض» و«التحرير» و«الهوية». كثير من الأنظمة العربية «الاستبدادية» ارتكبت ممارسات، وخاضت معارك مشابهة، تحت الحجج ذاتها: ضرورات المعركة، والتهديد الوجودي من العدو، ومؤامرة «العالم» و«الغرب» على المنطقة. وهُزمت دائماً. هل في المسألة سوء تفاهم ما؟ أم أن تعريف «الاستبداد» يختلف بين حالة وأخرى؟ أم لعل المشكلة مع الأنظمة لم تكن بالضبط «الاستبداد»؟
إشاعة «الاستبداد»
لا يمكن إيجاد تعريف دقيق لمفردة «استبداد»، الدارجة في خطابات معارضي الأنظمة العربية، والأغلب أن المقصود بها تعيين عام، يتجنّب مصطلحات أكثر تحديداً، مثل الديكتاتورية والأوتوقراطية والتوتاليتارية. بدا أن الإشكال قائم مع حاكم فرد، حوله أجهزه أمنية متوحّشة، وفئات من الفاسدين. بالطبع، توجد إسهامات مرجعيّة أكثر عمقاً، لمؤرخين وباحثين اجتماعيين، أثّرت في نخب «الربيع»، مثل كتابات نزيه أيوبي وحنا بطاطو، إلا أنها لم توصل تلك النخب إلى تقديم برامج واضحة المعالم للاحتجاجات. إذا كنا نواجه «دولة ضارية» مثلاً، حسب المفهوم الذي قدّمه أيوبي؛ أو مشكلة مع ««التفليح» و«العلاقات الزبائية»، أياً كانت دقّة هذه المصطلحات، فهل يكفي إزالة رأس النظام، لتجاوز «الاستبداد»؟
المسائل أعقد طبعاً من أن تقترح لها نخب، أو حتى قوى سياسية منظّمة، حلولاً شاملة، إلا أن الأكيد أن أي نقيض لذلك «الاستبداد» يجب أن يركّز على مبدأين، لطالما قامت النزعة الاستبدادية على قمعهما: المشاركة والتعددية. الأولى تعني السعي لصياغة الإطار السليم، لإشراك أوسع فئات ممكنة من المحكومين في القرارات المتعلّقة بشؤون دنياهم؛ والثانية ضمان تنوّع أصوات المُشركَين في الحكم، بما يشمل حقوقهم وحرياتهم الاجتماعية والفردية والثقافية الأساسية، ويمنع طغيان أي شكل من الأحادية، سواء كان مصدرها خطاب الوطنية التقليدي أو «دين الدولة». كلتا المسألتين لم تشغلا كثيراً الاحتجاجات وأنصارها، فلا هي قدّمت فكرة واضحة عن أطر دستورية ومؤسسات سياسية جديدة، أو حاولت ابتكار أشكال تنظيمية مغايرة؛ ولا عملت على إعادة إنتاج «الوطنية» أو النقد الجذري لمبدأ «دين الدولة». بدت تلك الاحتجاجات مستغنية عن السياسة والتنظيم والأيديولوجيا؛ ولا تعبأ كثيراً بالحقوق الأساسية، وعلى رأسها حرية المعتقد والتعبير عنه، وتقرير المصير الفردي والجماعي. دعك من نفورها الواضح من مفاهيم مثل التنوير والعلمانية والتسيير الذاتي. فكيف يمكن مواجهة «استبداد» من دون تلك العدّة السياسية والمفهومية؟
عدم التركيز على المشاركة والتعددية، والاكتفاء غالباً بالمواجهة المباشرة مع السلطات، سواء كانت مواجهة مسلّحة، أو غير مسلّحة، قد يدفع للتساؤل عمّا إذا كان الاستبداد الذي يعنيه المحتجّون قابلاً لإيجاد تعريفات سياسية واجتماعية دقيقة له. ربما تعلّق الموضوع بمحاولة تحطيم أو إسقاط أسماء، أو جهات معيّنة، ولكن ليس مواجهة «الاستبدادية»، إذا افترضنا أنها مقابل عربي لمصطلح Despotism. بدا في كثير من الأحيان أن المشكلة مع السلطات مقصّرة في تطبيق الخطاب الوطني، وفرض «دين الدولة»، اللذين ربّت المحتجين عليهما، فشهدنا أشكالاً لافتة من المزاودة على وطنية الدولة ودينها، من شعار «الشعب يريد تحرير فلسطين»، الذي رُفع في تونس، بعيداً جداً عن فلسطين، بعد فترة وجيزة من إسقاط الرئيس زين العابدين بن علي، وحتى الإجراءات الدينية، التي تنفذها كل من «الحكومة المؤقتة» و«حكومة الإنقاذ» في شمال غرب سوريا.
في كل الأحوال، قد يكون الموضوع شكلاً مركّباً من سوء التفاهم، فالاحتجاجات العربية واسعة، وفيها كثير من التيارات والمحاولات الفرعية والهامشية، ولا بد أن كثيرين كانت لهم مطالب وتصورات مناهضة بالفعل للاستبدادية، إلا أن حرب غزة أعادت طرح السؤال بشكل مُلِح: لماذا ثرنا فعلاً على الاستبداد؟
التحرر بالميليشيا
تتصدّر واجهة الحرب الحالية عدة ميليشيات، يمكن وسمها بكل شيء، إلا تحقيق المشاركة وتأمين التعددية، وحتى لدى مقارنتها بحركات تحرر وطني فلسطينية وعربية سابقة، سنجد أنها لا تأبه ببناء أي شكل تمثيلي، أو إطار سياسي تعددي لجمهورها، ولو كان شكلياً. لا «مجلس وطني» أو «تنسيقيات شعبية» أو أي هيكل شعبي آخر لتلك الميليشيات، توجد فقط عقائد متعالية، تخاطب جمهورها المباشر بلغة دينية؛ وتعتمد على نخب رديفة أو تابعة، لتصدير خطاب يبدو أقرب لـ«التحرر الوطني» و«نزع الاستعمار»، للجمهور خارج الطائفة المباشرة.
يبدو كل هذا إعادة إنتاج لاستبدادية الدول العربية، ولكن بشكل أكثر ثقلاً ومباشرة، ومن دون الاهتمام بأي إجراء أو مستند سياسي أو قانوني. إنه وطنية ودين الدولة بعد انحلالها تماماً، وتحولها من هيكل سلطوي، ولكن بمسؤوليات اجتماعية، إلى مجرد مجموعات من المسلّحين، تمارس العنف المباشر، ومن دون أي مسؤوليات، حتى عن استمرار حياة جمهورها. قد يكون المبرر هنا أن هذه حركات مقاومة وليست دولاً، وتواجه ظرفاً صعباً، من احتلال وهيمنة غربية. إلا أن هذه الحجة لا تلتفت إلى مسألتين: الأولى أن تلك الميليشيات قامت على أساس تفكيك الدول والسلطات والأطر القانونية، بل حتى المجتمعات المحليّة، ولا تنتعش إلا في ظرفه، وبالتالي لا مصلحة لها في إنهاء حالة الاستثناء تلك، ما يجعلها جزءاً من المشكلة وليس الحل؛ والثانية أن حركات المقاومة الأنجح في التاريخ، بنت جانباً كبيراً من قوتها على تحقيق مشاركة مجتمعية كبيرة، في ممارسات المقاومة وقرارها، واستطاعت تمثيل الحد الأدنى من تعددية جمهورها.
كيف يمكن لمناهضي الاستبداد تأييد ميليشيات، تعبّر عن انحلال الاستبدادية وتعاليها في الوقت نفسه؟
لأجل الفهم
قد تكون الإجابة الوحيدة الممكنة هي المذكورة أعلاه، حول الانجذاب إلى تجريد غير متحقق لوطنية ودين الدولة. سوء التفاهم، الحاصل منذ «الربيع العربي»، هو أن انفجاراً اجتماعياً كبيراً، متعدد الدوافع والمواقع، لم يستطع تحقيق قطيعة فعلية من النزعة الاستبدادية، بل ربما صَدَّر تدريجياً أنصارها الأكثر إخلاصاً، الساعين إلى تحقيق «الاستبداد» بنموذجه المثالي، مهما كانت ممارساته رثّة: ميليشيات تُدخل مجتمعاتها في حروب كبرى «شجاعة» مثلاً، لأجل الغاية العليا للوطنية والدين، من دون إشراكها بأي شيء، وعلى أساس قمع قاسٍ لتعدديتها. يبدو أن الصراع الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي المقبل سيتمحور أساساً حول «الفهم»: ما الفئات التي ترفع الآن راية مواجهة «الاستبداد» والاحتلال؟ ما تصوراتها الفعلية عن التغيير؟ وما موقعها من مجتمعاتها المتعددة، التي لم تعد تكافح إلا للاستمرار، في شرط عام من التخريب الحضاري؟ الإجابة عن هذه الأسئلة حاسمة، كي لا نقع مجدداً في سوء تفاهم قاتل.
كاتب سوري
- القدس العربي


























