رام الله – من محمد هواش:
أخيراً تقدمت مفاوضات تبادل الاسرى بين حركة المقاومة الفلسطينية "حماس" واسرائيل بعد تغير وظيفة الوساطة المصرية، وابدالها بأخرى المانية، ونجاح الوسيط الالماني إرنست أورلاو في تحويل حاجات الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني حراكاً ومواقف يمكن معها الحديث عن تقدم وعن امل في رؤية صفقة متبلورة لاطلاق الجندي الاسير جلعاد شاليت في مقابل 450 اسيراً فلسطينياً في مرحلة اولى، على ان تقرر اسرائيل منح الفلسطينيين لفتات اخرى كاطلاق 550 آخرين بعد شهرين بمعايير تحددها هي، على غرار ثلاث عمليات اطلاق اخرى تمت خلال سنوات حكم حزب "كاديما" برئاسة رئيس الوزراء الاسرائيلي سابقا ايهود اولمرت، كدعم جانبي لعملية انابوليس التي توقفت مع فوز احزاب اليمين الاسرائيلي بشقيه القومي والديني في الانتخابات العامة مطلع السنة الجارية.
اليوم يحتاج طرفا الصفقة التي يجري التفاوض في شأنها الى نجاح ما ، فرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يتمكن بعد من احراز أي تقدم في أي من مجالات عمل الحكومة وبرنامجها، ولا يبدو انه يستطيع احزار تقدم في عملية سلام رسمها على صورة حكومته اليمينية المتشددة حيال مفاوضات مع الفلسطينيين للتوصل الى حل الدولتين، في شروط يرفضها الفلسطينيون ويضيقون الخناق الديبلوماسي على نتنياهو في الحلبة الدولية، وقد يكون ذلك مريحا له ولائتلافه، لكنه لن يكون مشابها من حيث النتائج عدم التقدم والنمو الاقتصادي على خلفية الازمة المالية العالمية، وكذلك اغلاق منافذ اقتصادية في الوضع العربي كانت تتسرب وتتوسع مع أي امال بتقدم المفاوضات والتسوية مع الفلسطينيين. ومن غير الواضح ما اذا كان عدم التقدم في اكثر مجالات عمل الحكومة حيوية يرضي حكومة نتنياهو، خصوصا مع وجود رافعة ضغوط اوروبية واميركية لمعاودة مفاوضات مع الفلسطينيين قد تتطور الى اكثر من ذلك، وقد تؤثر على مستقبل التعامل الاممي مع الملف النووي الاكثر خطورة لاسرائيل والاكثر اغراء لخطوات سياسية حثيثة حتى لو كانت من النوع السري.
فحكومة نتنياهو تعرف اكثر من غيرها ان عدم التقدم في أي من هذه الملفات يعطي مؤشرا لعدم نجاح الحكومة قريبا من نهاية العام الاول على تأليفها. وهي لذلك مستعدة لتغيير بعض المعايير الاسرائيلية التي حالت دون اتمام صفقة التبادل، ومنها اطلاق ذوي احكام طويلة جدا (المؤبد) وضم اسماء من داخل الخط الاخضر، ومن القدس. وكذلك مناقشة امكان ضم قياديين فلسطينيين (الامين العام لـ"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" احمد سعدات، وعضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" مروان البرغوثي)، علما ان عددا من القياديين اطلقتهم اسرائيل في مبادرات حسن النية للرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال مفاوضات انابوليس مثل عضوي اللجنة التنفيذية للمنظمة تيسير خالد وعبد الرحيم ملوح، والامين العام لـ"الجبهة العربية "ركاد سالم.
اطلاق شاليت اليوم في ظل كل هذه الظروف يعد في اسرائيل نجاحا لنتنياهو، ولهذا يسعى الى ابرام الصفقة ولكن ليس بأي ثمن.
في المقابل، عززت حركة "حماس" سيطرتها على قطاع غزة من دون ان تربح في الوضع الفلسطيني والعربي ما يساوي هذه السيطرة والقوة. ولم تستطع على رغم كل الصبر والمعاناة والالم فك الحصار الاسرائيلي الظالم على قطاع غزة بكل اشكاله. وبقي معبر رفح (الذي كان معبرا فلسطينيا حرا حتى لحظة الانقلاب منتصف حزيران 2007) مغلقا، وكذلك الحصار الاقتصادي متواصلا من خلال منع اسرائيل التدفق الحر للسلع والسماح لعدد محدود من السلع الاساسية الغذائية والوقود بالوصول الى غزة، وتوقف اطلاق الصواريخ (التي اعتبرتها "حماس" في وقت ما امتيازاً يدل على مقاومتها حصريا) على بلدات اسرائيلية في محيط قطاع غزة. ولم تجلب "حماس" لجمهورها اي مكسب ذي شأن فلم تشن حربا لـ"تحرير فلسطين"، ولم تعقد سلاما مع اسرائيل، بل اضعفت شرعية النظام السياسي الفلسطيني من دون القدرة على تأسيس شرعية بديلة منها. ورفضت عروض المصالحة وانهاء الانقسام من الرئيس الفلسطيني ورفضت اخيرا توقيع الورقة المصرية للمصالحة. وقد ادت هذه السياسات الى اضعاف قطاع غزة اقتصاديا وغيرت بنيته الاجتماعية (احلت شريحة من امراء المقاومة محل شريحة التجار والمستثمرين الغزيين الكلاسيكية) وابعدته عن الضفة الغربية ومكانتها في الحياة السياسية للفلسطينيين.
ومع اقتراب الجدل فلسطينيا من امكان اختبار هذه السياسات وغيرها في انتخابات عامة رفضت "حماس" اجراءها وطلبت تمديدا لولاية الرئيس عباس والمجلس التشريعي حتى 28 حزيران 2010 ثم رفضت هذا التاريخ وغيره، وحركت مفاوضات الصفقة فتنازلت عن عدد من مطالبها القديمة من دون ان يعني تنازلها عن جوهر عملية التبادل وضم اسماء كانت اسرائيل ترفض مجرد الحديث عن مصيرهم في أي عمليات اطلاق احادية او تفاوضية، وكانت نقطة بداية جدية وجديدة للمفاوضات تدخل الوسيط الالماني على حساب الوساطة المصرية، بعرض شريط فيديو حديث لشاليت في مقابل اطلاق اسرائيل 21 امرأة فلسطينية من السجن.
"حماس" اليوم تستعد لانجاز هذه الصفقة لأن ايا من سياساتها لم تجلب للفلسطينيين أي امل في أي من مجالات الحياة.
مع وقف اطلاق الصواريخ وفرض هدنة احادية في قطاع غزة، فان "حماس" تحتاج هي الاخرى الى نجاح ما يبرر سياساتها وتمسكها بالمواقف التي ادت الى انسداد شريان الحياة الطبيعي في قطاع غزة.
ليس عباس من وضع "حماس" او نتنياهو في هذه الخانة. فـ"هذا ما جنته على نفسها براقش". ولهذا هما يتنافسان على كسب معركة علاقات عامة لا معركة سلام او حرب. وبسبب انسداد هذين الطريقين الرئيسيين اليوم، يتوجه الطرفان الى قضية جزئية لكنها قد تقلب الرأي العام رأسا على عقب وهذا ما يحتاج اليه كل منهما.
"النهار"




















