– القاهرة
يجب ان اعترف منذ البداية انني كنت من المعجبين بتجربة دبي، وبشكل او بآخر فانها بدت خلال السنوات العشر الاخيرة كما لو كانت النموذج الانجح بين التجارب العربيه التنموية المختلفة. وبالطبع كنت اعرف ان هناك فارقا كبيرا من حيث الحجم بين الامارة الصغيرة والدول العربية الاخرى الاكبر حجماً من حيث السكان والمساحة والموارد والتقاليد الاقتصادية، ومن ثم فإن هناك فارقا في الادارة والتوجه. ولكن كان مصدر اعجابي هو الجرأة الشديدة التي كانت تدير بها قيادة الامارة عملية التنمية فيها، وتخليها عن افكار كثيرة تقليدية مسيطرة على دول عربية كثيرة بل تكاد تستعبدها، وانفتاحها على كل الافكار التي تأتي من المنطقة او من خارجها. ولكن هذه الجرأة والشجاعة ايضا ربما كان فيها مكمن الازمة الراهنة حيث تبدو الامارة كما لو كانت ضحية افكار طموحة وخيالية، وربما كانت رائعة ايضا، ولكن ليس لها جدوى اقتصادية تذكر، وساعتها تصبح الجرأة تهورا، والشجاعة تجاوزاً لمقتضى الحال.
الحالة الان هي أن شركة دبي العالمية طلبت مهلة من دائنيها مدتها ستة اشهر( حتى ايار المقبل) لسداد الديون المترتبة عليها، والتي تبلغ 59 مليار دولار في آب الماضي، وهو ما يمثل جزءا كبيرا من اجمالي ديون دبي البالغ 80 مليار دولار، بينما تبلغ ديون شركة نخيل – الفرع العقاري لشركة دبي العالمية – التي يحين اجل سدادها في 14 كانون الأول 2009 3.5 مليارات دولار. وقد اعلنت امارة دبي اخيراً انها لن تضمن ديون شركة دبي العالمية باعتبار انها "شركة تجارية مستقلة". وما ان حدث ذلك حتى برز اتجاه في التفكير العربي يعتبر نموذج دبي مجرد سراب او"فقاعة خليجية"، اعتمد بشكل اساسي على تطوير القطاع المالي مرتكزاً على دور بارز للمشروعات العقارية وبناء ناطحات السحاب وافراطها في توفير متطلبات الاقتراض. وبمجرد انخفاض او بالاحرى انهيار اسعار العقارات، بدأت سلسة من الانهيارات، عبرت عنها وكالة "اسوشيتدبرس" بالقول انه حان وقت دفع فواتير الرفاهية.
لقد توسعت حكومة دبي في انشاء الوحدات السكنيـــة والتي بلـــغ عددها 202,504 وحدة سكنية حتى تشرين الاول 2008، وتوسعت في انشاء المرافق السياحية والترفيهية، ونفذت العديد من المشروعات العملاقة مثل برج دبي الذي يصنف على انه اطول برج في العالم ويتألف من 160 طبقة، و"مول دبي" الذي يصنف كأكبر مركز تسوق عالمي، وفندق بوادي الذي يعد الاكبر في العالم من حيث عدد الغرف، فضلا عن مشاريع الجزر البحرية الصناعية كجزيرتي نخلة جميرا ونخلة جبل علي. ونتيجة لضخامة مشروعات البنية التحتية والتطوير العقارية شغّلت دبي 16% من اكبر الرافعات والناقلات في العالم حتى تشرين الاول 2008 لتنفيذ مشروعات عديدة. ومع هذا الاتجاه نحو الاعلى والأكبر والاوسع في العالم تطورت في دبي سوق العقارات، ومعه تطورت سوق اخرى للمضاربين المحليين والاجانب مما اوجد طلبا غير حقيقي ادى في المحصلة النهائية الى ارتفاع اسعار العقارات سواء تلك التي اكتمل بناؤها او التي لا تزال قيد الانشاء، وهو ما جعل دبي الاعلى من حيث معدلات التضخم. وعندما جاءت الازمة الاقتصادية العالمية كان على دبي ان تتلقى صدمة هائلة في صلب اقتصاد الإمارة.
الاتجاه الآخر يرى ان الأزمة محلية النطاق، وان وسائل الاعلام ساهمت في تضخيمها، وان بعضاً من الحكمة، والاستفادة من دروس الماضي يمكنهما ان تقودا الامارة الى ضفاف الامان. ومن الجائز ان هذه الازمة جاءت في وقتها لكي تخلص التجربة من مشكلات هيكلية لا بد من التعامل معها إن عاجلا او اجلا. فلا شك في ان "تجربة دبي" تمثل حالة فريدة في المنطقة العربية، حيث تدار بمنطق اقتصادي متحرر ومنفتح مختلف عما هو سائد في منطقة الخليج بل والمنطقة العربية، ولكن على الجانب الاخر فان وحدة القرار الاقتصادي بين قيادة الامارة والشركات التابعة لها منع الاعتماد على موشرات محددة للاداء والانجاز، والتقويم والمحاسبة، والتعامل مع الازمات قبل استحكامها. ولا شك في ان نموذج دبي يواجه صعوبات كبرى، ولكن ذلك لا ينبغي له ان يخفي حقيقة ان دبي حققت قفزات اقتصادية كبيرة، وفي فترة زمنية قصيرة نسبياً، وصارت منطقة حرة تستقطب المشروعات (جذبت مناطق التجارة الحرة في دبي108 شركات دولية لتفتتح مقرا لها فيها خلال الفترة من كانون الثاني 2003 حتى تشرين الثاني 2008، وصنفت دبي في كان 2008 في المرتبة الثانية بعد لندن من حيث تفضيلها كمقر للخدمات المالية والاعمال).
صارت دبي موطنا للعديد من الايدي العاملة، وخاصة الآتية من القارة الآسيوية، وتتدفق عليها رؤوس الاموال سواء من الغرب او الشرق، الى درجة ان هناك من يعتبرها "سنغافورة او هونغ كونغ او تايوان الشرق الاوسط". كل ذلك التطور المذهل ناتج عن مميزات تتعلق بالارتقاء بالخدمات وتضاؤل الجمارك وشبه غياب للضرائب. ويستند اقتصاد الامارة الى نية متنوعة غير معتمدة كلياً على عائدات النفط، والتي باتت منذ العام 2006 تساهم بحسب البيانات التابعة لحكومة دبي بنسبة 3% في الناتج المحلي الاجمالي لدبي مقابل 97% للقطاعات غير النفطية كالسياحة والتجارة والنقل، والخدمات المالية والمصرفية وبعض الصناعات التحويلية والتجميعية.
ونتيجة لذلك كله حققت دبي معدلات تنمية مرتفعة خلال السنوات الماضية، حيث صنفت بحسب تقرير مجلة الاستثمارات الاجنبية المباشرة المتخصصة في تقويم الاوضاع الاقتصادية ومدى جذبها للاستثمارات، على انها الامثل في منطقة الخليج طوال الفترة الممتدة من 2001 حتى صدور التقرير في تشرين الثاني 2008، حيث احتفظت دبي بمعدل نمو سنوي بلغ 17.9%.
ان احد التفسيرات المطروحة لأسباب الأزمة هو غياب الشفافية، حيث كانت الازمة واضحة ولكنها مخفية في الدفاتر، حيث كان العديد من المستثمرين والدائنين يتلقون العديد من الطمأنات حول قدرة الامارة وشركاتها على الوفاء بالتزاماتها وسادت لغة انكار المشكلة، وبمرور الوقت بدأت تتصاعد الازمة في النمو بدعوى ارتباط الشركة بالامارة، فانتهى الامر بشركة تجارية تتمتع بحماية سياسية الى عدم تطبيق قواعد الشفافية، فبدأت الازمة. يضاف الى ذلك عامل آخر يتمثل في ارتفاع مستوى مخاطر الاستثمار، وهو ما يشبه الى حد كبير ما حدث في سوق العقارات الاميركية، حينما كانت الرقابة الضعيفة في النظام الائتماني الاميركي على تمويل المشروعات العقارية، حتى انفجرت الأزمة مرة واحدة في أيلول 2008.
الأزمة هكذا تمثل فرصة كبيرة بقدر ما فيها من مخاطر عظيمة. اما بالنسبة للاجراءات المتبعة لمواجهة الازمة، فقد اتخذت اجراءات محددة لتطويقها منها اتخاذ الحكومة الاتحادية مبادرة لاستعادة الثقة في اقتصاد امارة دبي وهي اعلان مصرف الامارات العربية المتحدة دعمه للقطاع المصرفي الاماراتي، عبر ضخ سيولة لدعم المصارف المحلية والاجنبية العاملة في الامارات. وهناك سيناريوهات عدة محتملة لمسار ازمة ديون دبي في المستقبل: السيناريو الاول هو الترشيد الذاتي، وهو ما برز في الاعلان عن اعادة هيكلة مالية لدبي العالمية التي تضم محفظتها الاستثمارية عددا من الشركات والمشروعات، حيث تم الاستعانة بشركة محاسبة عالمية "ديلوات"، فضلا عن اشراف صندوق دبي للدعم المالي الذي تأسس لادارة تداعيات الازمة المالية العالمية، وهو ما يؤدي لتعزيز الكفاءة التشغيلية ورفع القيمة السوقية للاصول العقارية والاستثمارية لوحدات المجموعة. ويستند ذلك السيناريو الى أن الازمة محلية ومرتبطة بقطاع واحد، ولا يوجد حرج في تخلف دبي عن سداد اقساط ديونها، بل والاعلان عن افلاس شركاتها الخاسرة غير القابلة لاعادة الهيكلة.
السيناريو الثاني هو الانقاذ الداخلي استنادا الى القدرات المالية الضخمة لدولة الامارات، من خلال تدخل امارة ابو ظبي لمساندة دبي في ازمتها الراهنة، لاسيما وانها قدمت مساعدات قدرت بما يراوح بين 15 و20 مليار دولار في بداية الأزمة المالية العالمية. وان كان هناك من يشير الى ان التدخل الحالي سيكون بشكل مدروس ومحدد، فهي لا تتكفل بسداد الديون المستحقة على دبي كافة، بل ستتعامل مع كل حالة منها على حدة. وفي هذا الاطار، ينص دستور دولة الامارات على ان "لكل امارة كيان قانوني منفصل يسيطر على موارده الطبيعية والمالية. والحكومة الاتحادية ليست ملزمة بتغطية التزامات اي امارة كما لا يحق للحكومة المركزية استخدام الموارد في اي امارة".
السيناريو الثالث هو سيناريو اسوأ حالة بحيث تواجه دبي ازمة ثقة بها على المستوي العالمي، بما يؤدي الى هروب رؤوس الاموال الى الخارج وبالتالي تتعرض التجربة للإنهيار، ويستند هذا السيناريو الى حالة من عدم اليقين بشأن التزامات مجموعة دبي العالمية مستقبلا، او اتجاهها لالغاء عدد من المشروعات التابعة لها او تقليص حجم العمالة او التوقف عن دفع رواتبها، وهو ما يجعلها ـ اي شركة دبي العالمية – قابلة للاستيلاء عليها من الخارج، بل من دول بعينها في المنطقة.
والرأي هنا ان السيناريو الارجح هو مزيج من السيناريوين الاول والثاني حيث يجري الترشيد جنبا الى جنب مع العون الاتحادي الآتي من امارة ابو ظبي، وربما ايضا من دول مجاورة اخرى سوف تتدخل من ناحية استجابة لضرورات استراتيجية، فضلا عن الضرورات الاقتصادية. فنموذج دبي لم يكن صدفة تاريخية، وانما هو وظيفة عاشت وترعرت في ظل حاجات متعددة لها.
(رئيس مجلس ادارة صحيفة "الاهرام")
"النهار"




















