رب ضارة نافعة، فعلى الرغم من كل الفوضى والحروب والإرهاب والإجرام التي سادت العالم على مدى ثمانية أعوام، هي عمر إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش، على الرغم من كل ذلك فإن ما حدث كان بمثابة بداية نهاية القطبية الأحادية التي ولدت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المعسكر الاشتراكي.
وإذا كان التاريخ سيسجل في سفره أن الإدارة الأميركية الحالية التي يقودها المحافظون الجدد هي أسوأ إدارة عرفتها الولايات المتحدة الأميركية وواحدة من أكثر الأنظمة إجراماً عبر العصور، فإن هذا التاريخ نفسه سيعتبر الإدارة نفسها أنها وضعت بداية نهاية عالم القطب الواحد، وتبدد الحلم الأميركي كما تصوره وتخيله عتاة متطرفي المحافظين الجدد منذ عهد الرئيس رونالد ريغان وحتى أفول شمس جورج بوش الابن.
هذا الكلام يقال في كل مكان وفي جميع العواصم، من موسكو على لسان وزير الخارجية الروسي إلى دمشق والعواصم الأوروبية، وصولاً إلى الدوائر السياسية والاستخباراتية الأميركية ذاتها.
في أيار الماضي ألقى مايكل هايدن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (C.I.A) محاضرة أمام طلاب جامعة كانساس أعلن فيها صراحة أن السيطرة الأحادية على العالم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً قد انتهت متوقعاً صعود أدوار أطراف أخرى سواء أكانت حكومات أم أطرافاً مستقلة وازدياد تأثيرها على مسرح الأحداث العالمية، وحذر من «النظر إلى العالم من منظور أميركي بحت» مشدداً على أن الدور المستقبلي لأجهزة الاستخبارات يجب أن يتركز على تقديم فهم أفضل لثقافات وأديان وحضارات الشعوب الأخرى…
ما يهمنا في كلام هايدن هو الاعتراف بانتهاء القطبية الأحادية وضرورة التعامل مع الدول والشعوب من منظور مختلف لما هو متبع الآن.
إنه كلام استخباراتي، لكن هذه المرة ليس مبنياً على أكاذيب وتلفيقات كما حدث عندما اعتمدت إدارة بوش على تقارير مفبركة لتبرير حربها الإجرامية على العراق.
وهو كلام ـ بقدر ما يهدف إلى تقويم اعوجاج السياسة الأميركية في محاولة لاستعادة زمام المبادرة ـ يعتبر إدانة صارخة للإدارة الأميركية التي مارست سياسات أدت إلى حروب ودمار وتنامي الإرهاب وكراهية الشعوب للسياسات الأميركية، بل كادت تؤدي إلى كراهية هذه الشعوب لكل ما هو أميركي.
هايدن نفسه لاحظ تراجع التحالفات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية وإن لم يقلها صراحة إذ إنه قال: إن الروابط التي تجمع الولايات المتحدة بأوروبا قد تعرضت «لبعض الاهتزازات» على خلفية الموقف من الحرب على الإرهاب والتدخل العسكري في العراق، ويجب ـ بالتالي ـ تعميق هذه الروابط مستقبلاً.
أمام كلام من هذا النوع نسأل: ماذا بقي من سياسات بوش وإدارته والمحافظين الجدد يمكن أن تفسر أو تترجم بأي لغة من لغات العالم بأنها إنجازات من نوع ما، أو مواقف يمكن أن تقدم للأميركيين قبل شعوب الأرض على أنها جردة حساب فيها بعض الإيجابيات؟!
بالمطلق لم تحقق إدارة بوش على مدى الأعوام الثمانية الماضية أي إنجاز في أي من المجالات الداخلية والخارجية إذ بدأت عهدها بالحروب وأنهته بأزمة مالية وركود اقتصادي لن يخرج منها العالم وشعوبه إلا بعد وقت طويل.
الإنجاز الوحيد الذي حققته إدارة بوش ـ إذا جاز لنا أن نسميه إنجازاً ـ هو أن سياساتها الهوجاء وحروبها وممارساتها في شتى الميادين دقت الإسفين الأول في نعش الأحادية القطبية ووضعت مشروع الشرق الأوسط الجديد في الجمادة (الفريزر) إلى وقت طويل، إن لم نقل إنها أدت إلى موته سريرياً بانتظار دفنه..
لذا.. فلن يحزن أحد في الولايات المتحدة والعالم معاً على رحيل هذه الإدارة، ولن نشتاق إلى وجوه عناصرها.
ونعود إلى ما بدأنا به: رب ضارة نافعة مع أن الشعوب دفعت ثمناً باهظاً جداً من دمائها وثرواتها واستقرارها.




















