في لقاء القمة بباريس أمس بين الرئيسين حسني مبارك ونيقولا ساركوزي, بدا واضحا وجليا أن مباحثات الرئيسين وحواراتهما تركز علي استشراف آفاق جديدة لترسيخ العلاقات بين مصر وفرنسا في المستقبل, فضلا عن إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط, انطلاقا من ان تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة هو المدخل الحقيقي لبناء المستقبل.
وفي حوارات المستقبل بين الرئيسين مبارك وساركوزي تكمن أهمية قمة باريس, وما يتعين ذكره في هذا السياق, ان هذه الحوارات كانت دوما السمة الأساسية والجوهرية للعلاقات التاريخية المتميزة بين البلدين, فقد كانت فرنسا هي مقصد المصريين عندما بدأوا عصر النهضة الحديثة.
و مما يدل علي ذلك ان البعثة التعليمية التي أرسلها محمد علي الي فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر, كان ضمن أفرادها رفاعة الطهطاوي الذي نهل من الثقافة الفرنسية وتأثر بمسار تاريخها الحديث, ولذا فعندما عاد الي مصر اضطلع بدور مهم في إرساء أسس النهضة الثقافية والتعليمية في البلاد, وصار رائدا لهذه النهضة وعلامة مضيئة في سمائها.
ومنذ ذلك الحين تتواصل حوارات المستقبل بين القاهرة وباريس, ومما يؤكد هذا المعني ويفصح عن دلالاته ان جدول أعمال الرئيس مبارك في باريس يشمل:
ـ إعلان عام2010 عاما للتعاون المصري ـ الفرنسي في مجال العلوم والتكنولوجيا, ومن المقرر ان يشهد تعزيز علاقات التعاون بين جامعات ومراكز ابحاث البلدين, وكذا تبادل التجارب والخبرات العلمية والتكنولوجية بين القاهرة وباريس.
ولا تخفي علي أحد الأهمية البالغة لهذا التعاون, ذلك ان السمة الرئيسية للزمن الحالي هي العلوم والتكنولوجيا فهما بوابة المستقبل المنشود, وكلما تقدمت أمة في مجال العلوم والتكنولوجيا, زادت قدراتها, ووثقت من امكاناتها علي احراز التقدم والارتقاء بحياة شعبها, ولذلك فإن الدول المعاصرة تدرك أهمية العلوم والتكنولوجيا, وتكرس لهما الموارد اللازمة.
وتبذل مصر جهودا دؤوبا لإحراز التقدم في العلوم والتكنولوجيا, وتضع برامج تعليمية وتدريبية لتحقيق ذلك.
ـ إن النهوض باقتصاد أي بلد يقتضي ضمن عوامل أخري, تعزيز سبل التبادل التجاري, وهذا ما تسعي اليه حوارات المستقبل بين القاهرة وفرنسا, ولذلك التقي الرئيس مبارك بأعضاء المجلس الفرنسي لأرباب الأعمال وأعضاء مجالس ادارة وممثلي16 من كبريات الشركات الفرنسية, ويستهدف اللقاء زيادة الاستثمارات الفرنسية في مصر, ومواصلة قوة الدفع التي تشهدها علاقات البلدين في المجالين التجاري والاستثماري, ومن الجدير بالذكر ان المجلس الرئاسي الفرنسي للأعمال الذي تأسس عام2006 يقوم كذلك بدور بارز ومهم في هذا المضمار.
وهنا تجدر الإشارة الي ان التعاون في المجال الاستثماري والتجاري بين مصر وفرنسا يؤتي ثماره.
فقد قفز حجم التبادل التجاري بين البلدين الي ثلاثة مليارات دولار خلال الاشهر التسعة الأولي من العام الحالي2009, وأصبحت فرنسا في أقل من3 الي4 سنوات المستثمر الأوروبي الأول في مصر, ذلك ان نحو12 شركة فرنسية تعمل في مصر, وتبلغ استثماراتها ما يتراوح بين8 و9 مليارات يورو.
وهذه مجرد مؤشرات قوية علي ان حوارات المستقبل الخلاقة بين مصر وفرنسا تحقق عائدا طيبا وتقدما مرموقا.. وهذا هو الهدف المنشود دائما وأبدا من دبلوماسية القمة التي يضطلع بها الرئيس مبارك مع دول العالم غربا وشرقا.
الأهرام




















