يذكر الجميع أنه بتاريخ 13 يوليو ـ تموز الماضي جرى لقاء للدول الـ 43 الأوروبية ـ المتوسطية ـ دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 والدول الـ 16 للشاطئ الجنوبي والشاطئ الشرقي للبحر المتوسط ـ في باريس بناء على مبادرة من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لانطلاق الاتحاد من أجل المتوسط.
ملاحظتان فرضتا آنذاك نفسيهما. الأولى هي أن تلك القمّة كرّست نجاحا دبلوماسيا حقيقيا بالنسبة لفرنسا التي استطاعت أن تجمع تقريبا حول نفس الطاولة جميع الدول المحيطة بحوض البحر المتوسط والتي تعرف بعضها نزاعات لم يتم الوصول إلى حلول لها. الاستثناء الوحيد تمثّل في ليبيا التي رفضت المجيء إلى باريس.
الملاحظة الثانية هي، وفيما هو أبعد من النجاح الإعلامي ـ السياسي،ان البيان الختامي زاخر بالبلاغة اللفظية لكن دون التصدي إلى أي من التحديات الأساسية في المنطقة.لا شك أنه جرى التأكيد على ستة مشاريع أساسية تتعلّق بإزالة التلوث في البحر المتوسط وإشادة طرق بحرية وبرّية والحماية المدنية وخطط للاستفادة من الطاقة الشمسية والتعليم العالي والبحث العلمي ومبادرة تطوير المؤسسات.
المشكلة هي في أن تنفيذ هذه المشاريع واعتماد الخيارات الخاصة بالمسائل التنظيمية جرى تأجيلها حتى لقاء وزراء خارجية البلدان المعنية في موعد لاحق.
كان التحضير لذلك اللقاء الذي تمّ في مرسيليا يومي 3 و4 نوفمبر الماضيين في غاية التعقيد. ذلك أن المسائل السياسية التي لم تتم تسويتها في شهر يوليو ـ عادت إلى الظهور من جديد قبل لقاء مرسيليا. تركّزت الخلافات أساسا على صيغ مشاركة جامعة الدول العربية التي تطالب بصفة مراقب على جميع مستويات التنسيق والقرار فيما يخص المشروع الأوروبي ـ المتوسطي.
السبب وراء هذه المطالبة بسيط وهو أن بلدان الجنوب، وخاصة العربية، ترفض أن تبقى الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية مختلة التوازن عبر وجود اتحاد أوروبي يبدو ككيان وحيد بينما تبدو المكونات الأخرى فرادى وبالتالي ذات وزن سياسي أقل بكثير.
المنطق صحيح، ولكن ما يؤسف له هو أن الدول العربية غير قادرة غالبا على العمل موحّدة من أجل دعم مشاريعها، كما لا يبدو اتحاد المغرب الغربي الذي تأسس عام 1989 موحّد الموقف. بتعبير آخر لا يحق لقادة بلدان الجامعة العربية أن يعيبوا على الاتحاد الأوروبي نزعاته إلى الهيمنة طالما أنهم لا يستطيعون تحقيق وحدة موقفهم. مع طرح مثل هذه الأسئلة يبرز مباشرة ردّ فعل إسرائيل.
إن المسؤولين الإسرائيليين يرفضون حضور جامعة الدول العربية كمراقب في مجمل اللقاءات الأوروبية ـ المتوسطية. هذا الخلاف الأساسي يفسّر كذلك إلغاء لقاء أوّل لوزراء البيئة حول التحديات الإقليمية الخاصة بالمياه كان مرتقبا عقده في الأردن في نهاية شهر أكتوبر ـ الأول الماضي.
هذه المسائل ليست من طبيعة تقنية أبدا. وهي تقودنا حكما إلى المكانة المركزية للنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. اعتبر الرئيس ساركوزي أنه يمكن تجاوز هذا الملف عبر الإكثار من مشاريع التعاون الاقتصادي التي تشجع قيام تقارب جديد بين العالم العربي والفلسطينيين وبين الإسرائيليين. لكن مثل هذا الأمر لم يحدث، فطالما أنه لم يتم التوصل إلى حل النزاع سياسيا سيلقى المشروع الأوروبي ـ المتوسطي أكبر العقبات أمام تحققه.
إن الموقف التوفيقي الذي تمّ التوصل إليه في مرسيليا يوم 4 نوفمبر ـ الماضي لا يغير في المسألة الشيء الكثير. لقد جرى إنشاء خمسة مناصب كأمين عام مساعد للسلطة الفلسطينية واليونان وإيطاليا ومالطة و…إسرائيل، بواقع منصب لكل منها لمدّة ثلاث سنوات. وذلك مقابل حصول الجامعة العربية على إمكانية المشاركة بصفتها في كل اجتماعات الاتحاد من أجل المتوسط وعلى كل المستويات.هناك إمكانية لإنشاء منصب أمين عام مساعد سادس إذا طلبت تركيا ذلك.
بالمقابل بقي منصب الأمين العام شاغرا بعد أن أعلنت تونس أنها ليست راغبة فيه على خلفية استيائها تحديد برشلونة كمقر للاتحاد من أجل المتوسط. وهناك بعض الدول العربية مثل سورية ولبنان ترى أن استقبال بلد عربي لهذا المقر يعني بصورة غير مباشرة تطبيع العلاقات مع إسرائيل دون أي مقابل.
ومما يزيد الإشكالية أكثر هو أن المشاريع الستة التي أقرّتها قمة باريس في شهر يوليو ـ قد جرى بالفعل التأكيد عليها في مرسيليا ولكن دون معرفة كيف سيتم تنفيذها حقيقة. وسيكون على الأمانة القادمة تحديدها بدقّة قبل تنظيم مؤتمر لدافعي الأموال المحتملين. لم يتم تحديد أي موعد ثابت ويُخشى أن تؤدي الأزمة المالية الحالية والآفاق الاقتصادية القاتمة إلى زيادة صعوبة تحقيق هذه المشاريع رغم أنها مفيدة وضرورية.
إن لقاء مرسيليا الأخير سمح للمشاركين بإنشاء خمسة مناصب لأمناء عامّين مساعدين وبمشاركة جامعة الدول العربية في مختلف الاجتماعات وبتعيين برشلونة كمقر للاتحاد من أجل المتوسط.
لكن فشله في تعيين أمين عام وتضاؤل قوة دفع هذا المشروع الطموح يثير القلق. ومهما فكّر المعنيون تبقى المبادرة السياسية وليس التسويات المؤسساتية هي التي يمكن أن تسمح بتجاوز العقبات التي تواجهها المنطقة المتوسطية.
التحديات هائلة وإذا لم يرتفع المسؤولون السياسيون إلى مستوى مسؤولياتهم فإن المشروع لن يتقدم وسيستمر البحر المتوسط بمثابة الحدود الأكثر افتقارا للتكافؤ في العالم بين البلدان المحيطة به.
كاتب ومحلل سياسي فرنسي ــ باريس
professorrabie@yahoo.com
"البيان"




















