تلألأت النجمة كشمس في رابعة النهار. وأشرقت الكواكب صبراً وشجاعة وحكمة. بينما كانت الحرية تبزغ من عيونهم، وتطوف على ثغورهم كفراشات حيرى.
وقف الجميع بمرح ووقار وابتسامات عذبة يوزعونها على الأهل والأصدقاء، كمن يستعد لأخذ صورة تذكارية لإرسالها إلى السماء.. إلى الوطن.
أخذوا الحرية.. وتركوا للآخرين قيود الاستبداد.
تنادوا للفعل.. ولم يحفلوا بالمزايدات والادعاءات وغبار المعارك الوهمية.
التمسوا الحق والعدل.. وتركوا لجلادهم عار الظلم.
قالوا: بلادنا لنا، ولن نتركها تضيع في زحمة الشعارات والحماقات والأفواه الفاغرة. فنحن مسؤولون أيضاً عن مصيرها ومستقبلها، نساهم في شق دروبها الصاعدة حتى ولو كانت مثل طريق الجلجلة.
كانوا يشعون بطولة، وكنا مثل كومبارس في مشهد درامي، فقد إثارته لكثرة ما أعيد مرات ومرات.
أحد عشر رجلاً وامرأة من قادة إعلان دمشق، وقفوا مثل قوس قزح يبشرون بأمطار الديمقراطية القادمة.
حدث ذلك في دمشق، صبيحة يوم تشريني من العام الثامن بعد الألف الثانية، يشير تسلسل أيامه إلى التاسع والعشرين.
في ذلك المشهد، كان لنا بيت ونافذتان. أطل منهما رجلان يبتسمان. يقولان كل شيء ولا يتكلمان.
يشدان على أيدينا قبل أن نشد على أيديهم.
يسألان عن أحوالنا في وقت يتوجب علينا أن نسأل عن أحوالهم.
يتحدثان بنبرة أسطع عن نبل الغاية ووضوح الطريق قائلين: "لا تقلقوا.. فلنستمر".
حينها تساءل الغرباء الذين استدرجتهم غرابة الموقف: " من يحاكم من!؟ ".
طلال أبو دان، كأن أحد عشر عاماً في سجون البلاد الواسعة من حلب إلى تدمر إلى صيدنايا غير كافية لبلوغ الحرية، فمضى يسعى خلفها من جديد. وكأن الصبي العاشق المشاكس ما زال يطارد حلمه بهواء نقي وأرض لم تلوث بالعنف والفساد والكراهية.
يا ذا الطلة البهية والوجه الذي يليق " موديلاً " للأنس.. اشتقنا.
اشتقنا للكياسة واللطف والطرفة الذكية.. اشتقنا لكلمة الحق الشجاعة واللبقة التي تقال حيث يجب أن تقال.
اشتقنا لريشة تقطر جمالاً ورقة وصلابة، تلون الحياة وتسابق الإبداع، وتفتح كوة في جدار اليأس.
واشتاقت لك النصب التذكارية والتماثيل والتصاميم الفنية الباهرة، التي تنتظرك حزينة في ساحات حلب وعلى مداخل منشآتها الثقافية.
خلعوا باب مرسمك، وكسروا محتوياته من لوحات فنية ولقى أثرية قيمة، لكنهم عبثاً يحاولون كسر الفنان الذي اعتاد أن يرفع يده لترتفع قامات الآخرين.
وأنت يا أبا سلام، أيها الصخرة الحنون التي لوحتها الشمس فزادتها صلابة وحناناً، وتألقت بعدما غسلت الأمطار وجهها من غبار الخوف والوهم والتردد.
أيها الحجر الذي لم يلتفت إليه البناؤون وصار حجر الزاوية.
أيها الدؤوب في المهمات كنحلة، لسان حالها يقول: خذوا ما بدا لكم واتركوا علي الباقي.
" بسيط كالماء.. واضح كطلقة مسدس " ذلك القروي القادم من الشمال، ليقول كلمته ويمضي. غير عابىء بما تحدثه أو بما يترتب عليها. فالأهداف أنبل والغايات أسمى.
قالوا عنها: أفضل الجهاد. فقد كانت باعتراف الجميع كلمة حق في وجه سلطان جائر.
فسلاماً.. سلاماً أيها الرفاق.




















