حملت محاكمة معتقلي قادة إعلان دمشق، بصوريتها ومحتواها الكاريكاتوري، وبتوقيتها وأحكامها الجائرة، الكثير من الدلالات السياسية، والمعاني الوطنية والتاريخية. ولعلها أشارت بعمق إلى العطب الكبير الذي تَسْتنقع فيه الحياة السياسية السورية في ظلّ نظام بات التعسّف والتسلّط من أهم محددات سياسته، مثلما أصبح الفساد وهدر الحقوق والدوس على كرامة المواطنين والاعتداء على حرياتهم العامة والسياسية العنوان الأبرز لنهجه وممارساته، مترافقا مع تجاهله للأوضاع المعيشية المزرية والمذلة التي يعيشها الشعب السوري على الصعد كافة.
ولقد جاء توقيت هذا الحدث المفصلي الهام، ليس في مرحلة سياسية حرجة تمرّ بها سورية فحسب، بل ضمن مجمل من الظروف والمخاضات التي تعيشها منطقتنا، والأخطار الكبيرة التي تواجهها. فلقد عبّر هذا الحدث أيّما تعبير عن مفصل مهم من تطور الأوضاع الداخلية التي تشهدها البلاد، والناشئة عن ازدياد حدة التناقض غير المسبوق، بين متطلبات النهوض بالأعباء والاستحقاقات الوطنية التي يواجهها الشعب السوري، وبين إمعان السلطة في احتقار الحقوق والحريات الأساسية له، والضرب عرض الحائط بضرورات أمنه واستقراره، وانخراطها الواسع في القمع المفتوح والمتكرر لكل أشكال التعبير عن الرأي، وممارسة الاعتقال التعسفي بحق المناضلين والأحرار وزجهم في السجون والمعتقلات وحرمانهم من وظائفهم وقطع أرزاقهم والتنكيل بعائلاتهم وتهديد أمنهم واستقرارهم.
وفي هذا السياق، تأتي أيضاً محاولاتها المفضوحة والمتكررة لإخضاع القضاء، وتوريطه والإساءة إلى سمعته، بإجباره على لعب دور (الواجهة القانونية) للنيل من كل من يعارض سياستها أو يعبر عن رأي آخر، وكيل التهم المفبركة التي تفتقر لأي سند قانوني، وإنزال أشد العقوبات والأحكام القاسية بحق مناضلي إعلان دمشق والمعارضين عموما، لتكشف بوضوح مسؤولية السلطة ذاتها في النيل من هيبة الدولة، وذلك بدق إسفين جديد في ثقة المواطن بالقانون والقضاء، وهذا مما يسهم في ضعضعة الحياة العامة وزعزعة استقرارها.
وعلى الرغم مما يمكن أن يقال كثيراً في سياق هذا الحكم "القضائي"الجائر، وزج القضاء في معركة السلطة الأمنية، وتسخيره أداة في أيدي المتنفذين من أجهزة السلطة، فقد جاء هذا الحكم بحق اثني عشر مناضلا كرسالة أمنية مباشرة وجهتها السلطة للشعب السوري عامة ولكافة أطيافه وقواه السياسية، لتذكر وبشكل سافر، بان سيف التسلط والإرهاب السياسي لازال مسلطاً على رقاب الجميع، وأن عهد الخوف وكم الأفواه عاد بقوة ليسمم الأجواء العامة، وليذكر السوريين بمراحل سوداء ظن الكثيرون منهم أنها مضت إلى غير رجعة.
إن من صدر الحكم بحقهم كانوا بكل بساطة، يمارسون حقهم الدستوري والقانوني والأخلاقي في التعبير عن حبهم لبلدهم وشعبهم، وعن خيارهم الحر وآرائهم ووجهات نظرهم، وهي حقوق كفلها لهم الدستور السوري بمواده (25،28،38). فقد عبروا بكل إباء عن إحساسهم بالمسؤولية الوطنية، برفضهم ومواجهتهم لكل المظالم التي يرزح تحتها شعبهم، وليحذروا من الخراب الوطني الكبير الذي ألمّ بالدولة والوطن والمجتمع على حد سواء. وتطوعوا بإرادة صلبة وصادقة من أجل العمل لما فيه خير وطنهم مهما غلت التضحيات، ولأنهم ادركواكغيرهم بأن طريق تحرير شعبهم من التسلط والاستعباد، دونه آلام كبيرة.
لقد أصدرت السلطة عبر"قضاءها" قراراً واحداً وموحداً بحق جميع من طالتهم اتهاماتها، ودون أي تمييز بينهم بالرغم من تباين إفاداتهم و تنوع واختلاف مسؤولياتهم، بل واختلاف طبيعة الدور الذي لعبه كل منهم في "ارتكاب" جنايتي "إضعاف الشعور القومي " و"وهن نفسية الأمة" وهو الدليل الساطع والفاقع على صورية المحكمة والحكم الصادر عنها، الذي استند أصلاً إلى أدلة جهدت إدارة أمن الدولة في تصميمها وفبركتها. ولقد أجمع المعتقلون في إفاداتهم على إنكار مانسب إليهم من محاضر تحقيق أجبروا على التوقيع عليها دون أن يطلعوا على مضمونها، كما أنكروا كل التهم المنسوبة إليهم، وفنّدوا بوضوح بطلان الأدلة وتهافتها، وأكدوا أن هذه المحكمة وهذه الأحكام لم تستهدفهم بأشخاصهم وأفعالهم فحسب، بل تستهدف خنق الرأي الآخر، ولتكون عبرة لأي رأي مخالف لتوجهات السلطة، كما أصر معظمهم على أن المحاكمة سياسية بامتياز تستهدف العمل السياسي المعارض عموما، عدا عن كونها محكمة خاصة لإعلان دمشق وأطروحاته وخطه السياسي الذي عبر عنه البيان الختامي لأعمال مجلسه الوطني الذي انعقد في 1/11/2007.
ولقد أكدت رئيسة المجلس الوطني لإعلان دمشق الدكتورة فداء حوراني في مداخلتها أمام المحكمة على بطلان هذه التهم وافتقارها للسند القانوني بالقول: (أملي كمواطنة سورية أن نرى قضائنا – حمايتنا الوحيدة – في قمة السيادة والنزاهة، وأن الديمقراطية بما تستوجبه من فصل للسلطات وتعزيز لسيادة السلطتين التشريعية والقضائية،هي الكفيلة بتعزيز هيبة الدولة ومؤسساتها، أما الاستبداد وبما يخلفه من مراكز قوى خارج القانون فهو الذي ينال من هيبة الدولة ويضعف مؤسساتها).
أما عن تهمة إضعاف الشعور القومي فردت قائلة: (إن إنهاء حالة الطوارئ، وإطلاق الحريات العامة ولا سيما حرية التعبير، هو شرط لازم وضروري لرفع المستوى المعاشي المتدهور للمواطن السوري. والحد من الفساد، هو ما يقوي الشعور الوطني والقومي للأمة، وليس فيه إضعافا لهذا الشعور أو ترويجا للأخبار الكاذبة. انه يندرج تحت عنوان الحق في تواجد رأي آخر افتقدناه كثيرا في هذا الوطن).
كما علق رئيس مكتب الأمانة العامة لإعلان دمشق الأستاذ رياض سيف على تهمة النيل من هيبة الدولة بالقول: (نحن طلاب حرية ولسنا طلاب سلطة… إننا نمثل طيفاً مهماً من المعارضة الديمقراطية في سورية، ونرى أن من واجبنا الإسهام في انجاز التحول الديمقراطي الذي نعتقد أنه الطريق الوحيد في حل أزمات سوريا في كافة المجالات، ونحن مصممون على المثابرة ومستعدون لدفع تكاليف إضافية، فنحن نعمل على إعلاء شأن الدولة التي لا تختصر بشخص، بل بشعب ومؤسسات وقانون يطبق على الجميع بالتساوي).
ولعل ما جاء في مذكرة هيئة الدفاع المقدمة للمحكمة يكشف بوضوح نوايا السلطة المسبقة في تجريم العمل السياسي الحر واستهداف منابعه:
فالقضية – كما جاء في مذكرة الدفاع – (قضية عامة بامتياز، وتخص كل مواطن سوري، وتخص سوريا بأسرها حاضرا ومستقبلا، وهي لا تعدو حق التعبير والاختلاف في كيفية توجيه الشأن العام على وجه أنفع لوطننا وأجياله الحاضرة والقادمة. لأن الكلمة العارية والنزيهة، الأسلوب المدني السلمي والحضاري هو أحوج ما نكون إليه جميعا لجعل حياتنا أفضل مما هي عليه في مواجهة الأخطار والتحديات، ومن الأجدى أن يجري تنظيمه تحت سقف القانون، والعمل على حمايته بدل جعله محل اتهام ومطاردة وتوقيف في قفص الاتهام).
وعن طبيعة القضية التي يحاكم الموقوفون بموجبها أكدت المذكرة: (إننا بصفتنا هيئة دفاع عن الموكلين المدعى عليهم، نؤكد عظيم ثقتنا أن طبيعة هذه القضية وجوهرها الحقيقي، هي طبيعة سياسية ووطنية وأخلاقية تخص عموم مجتمعنا، وليست قضية جنائية من أي نوع كان، فهي تعكس للأسف مشكلة ما تزال تئن منها مجتمعاتنا وتخص حقوق التعبير والاختلاف الموضوعية والطبيعية والتي ما تزال محرومة من إطارها الشرعي الذي يعمل على تنظيمها وحمايتها قانونا).
وتختم المذكرة بالقول:
(إن ما جاء بالبيان الختامي الذي يحاكم الموكلون على أساسه، لا يخرج من حيث فحواه ومضمونه عن المبدأ الراسخ الذي أكده الأستاذ الدكتور محمد الفاضل من أن نزوع الإنسان الدائم في معركة تحقيق الذات الى السيادة والتسلط والسيطرة يقود خطاه (إذا ما انطلق في طريقه دون حد) إلى الاستبداد والطغيان ومن هنا كان نظام الحكم الديمقراطي القائم على أساس احترام حريات الأفراد في إطار سيادة القانون يمنع الفوضى ويحول دون الطغيان).
وختاما نقول: إن معركة انتزاع الحرية للشعب السوري معركة طويلة ومعقدة ويقف دونها الكثير الكثير من التضحيات والمآثر، لكنها ستبقى العنوان الأبرز لنضال شعبنا الصابر، الذي يستحق بجدارة أن يعيش في ظل دولة مدنية وديمقراطية.
=========================




















