
أحمد مولود الطيار
سوريا، البلد الذي كان يُعتبر يومًا قلب العروبة النابض، أصبح بعد عقود من الاستبداد وسنوات من الحرب أشبه بصندوق أسود مليء بالأسرار والحقائق المؤلمة التي انكشفت أخيرًا بعد سقوط النظام. هذا الصندوق لا يحمل فقط ذكريات الدمار والحرب، بل يحتوي على روايات عن قمع سياسي ممنهج، فساد اقتصادي هائل، ونسيج اجتماعي تمزق بفعل الطائفية والصراعات. فتح هذا الصندوق هو الخطوة الأولى لفهم الماضي، وتفكيك إرثه الثقيل لبناء مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية.
أحد الجوانب المظلمة التي انكشفت بعد سقوط النظام للمراقب الخارجي ولبعض السوريين و العرب هو القمع السياسي الذي امتد لعقود في ظل حكم نظام الأسد. منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، تحوّلت سوريا إلى دولة بوليسية تحكمها قبضة أمنية حديدية. غُيّبت الحريات السياسية، وحُظرت الأحزاب المعارضة، وأصبحت المعتقلات مكانًا لمن يخالف الرأي. مجازر مثل حماة عام 1982، التي راح ضحيتها عشرات الآلاف، تُعد رمزًا لقمع النظام ضد أي صوت معارض. هذه السياسات لم تنتهِ بوفاة حافظ، بل استمرت في عهد بشار الأسد، حيث واجه الشعب السوري القمع نفسه خلال الثورة السلمية عام 2011.
لا يمكن فهم تعقيدات الصندوق الأسود السوري دون النظر إلى الفساد الاقتصادي الذي كشف عن جذوره بعد سقوط النظام. طوال عقود، استحوذت النخب المقربة من النظام، مثل عائلة مخلوف، على موارد البلاد. تم تهميش الغالبية الساحقة من الشعب، بينما ازدهرت الطبقة الحاكمة عبر الاستيلاء على الثروات الوطنية. خلال الحرب، ازداد الوضع سوءًا مع ظهور “اقتصاد الحرب” الذي شمل تهريب الوقود، تجارة السلاح، وتصنيع المخدرات. كل ذلك أدى إلى انهيار الاقتصاد السوري، وارتفاع معدلات الفقر، وزيادة الاعتماد على المساعدات الدولية.
من أخطر ما يحمله هذا الصندوق، والذي أصبح جليًا بعد سقوط النظام، هو التمزق الاجتماعي الذي نتج عن سياساته. لعب النظام على وتر الطائفية لتعزيز بقائه، مستغلاً التوترات العرقية والدينية لتفكيك النسيج الوطني. خلال الحرب، تفاقمت هذه الانقسامات بفعل ظهور فصائل متطرفة مثل داعش، وصراعات النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. اليوم، تعاني سوريا من هجرة ونزوح ملايين السوريين، ما غيّر التركيبة السكانية وأضعف الروابط الاجتماعية.
سوريا كانت ولا تزال ساحة لصراع القوى الإقليمية والدولية. روسيا وإيران دعمتا النظام سياسيًا وعسكريًا، مما ساهم في استمراره رغم الانتفاضات الشعبية. في المقابل، دعمت دول مثل تركيا ودول الخليج المعارضة المسلحة. هذا التدخل الدولي لم يكن هدفه حماية السوريين، بل تحقيق مصالح استراتيجية لكل طرف. النتيجة كانت تعميق الأزمة وإطالة أمد الحرب.
فتح الصندوق الأسود السوري يتطلب إرادة حقيقية وجهودًا شاملة. العدالة الانتقالية تُعد المفتاح لفهم الماضي ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات. لجان تقصي الحقائق، المحاكمات العادلة، وتعويض الضحايا خطوات ضرورية في هذا الاتجاه. كما أن إعادة كتابة التاريخ بمنظور محايد وشامل يُعد جزءًا أساسيًا من هذه العملية. المثقفون والكتّاب السوريون يمكنهم لعب دور حيوي في توثيق الشهادات، تفكيك السرديات الرسمية، وإعادة بناء الهوية الوطنية.
لا شك أن الطريق إلى فتح هذا الصندوق مليء بالتحديات. المصالح الدولية، الانقسامات الداخلية، ونقص الموارد كلها عقبات حقيقية. لكن التجارب الدولية أثبتت أن الشعوب التي تواجه ماضيها بشجاعة تستطيع أن تبني مستقبلًا أكثر إشراقًا. جنوب أفريقيا، رواندا، والبوسنة أمثلة على دول استطاعت تجاوز أزمات مدمرة عبر المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.
سوريا اليوم تقف على مفترق طرق. هل يمكن للشعب السوري أن يواجه إرث الماضي ويبدأ صفحة جديدة؟ الإجابة تكمن في وعي السوريين أنفسهم وقدرتهم على التكاتف من أجل بناء وطن يحتضن الجميع، بعيدًا عن الطائفية والاستبداد. فتح الصندوق الأسود بعد سقوط النظام ليس نهاية الطريق، بل هو بداية رحلة شاقة نحو الحرية، العدالة، والسلام.
- كاتب سوري – كندا


























