بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع، تواجه البلاد تحديات كبيرة في تحقيق الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة. إحدى أبرز هذه التحديات هي السياق الأمني والتعامل مع العدد الكبير من المتدربين الذين تلقوا تدريبات أمنية وعسكرية وثقافية على يد إيران خلال السنوات السابقة في سوريا.
وكانت مدن سورية قد شهدت اضطرابات رفعت شعارات طائفية وأدت لمقتل عدد من عناصر العمليات العسكرية في بعض المناطق الساحلية والوسطى، في أعقاب تهديدات أطلقها المرشد الأعلى علي خامنئي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مما زاد من تعقيد الوضع الأمني والسياسي في البلاد.
وعزا كثير من السوريين هذه الاضطرابات الطائفية إلى أنها كانت جزءا من استراتيجية إيران وأجندتها لزعزعة استقرار حكومة دمشق، وتعويض الخسارة الاستراتيجية التي منيت بها إيران مع سقوط نظام الأسد.
مدرسة الاستخبارات بريف دمشق
في ريف دمشق، على طريق مطار دمشق الدولي وداخل منطقة تسمى خربة الورد، حيث كانت حواجز نظام الأسد والميليشيات الإيرانية تحيط بالمنطقة من كل جانب وعلى مسافات قصيرة للغاية، يوجد مقر أمني مكون من طابقين ومحصن للغاية داخل ما يسميه أهالي المنطقة (مدرسة الاستخبارات أو مدرسة أمن الدولة)، تلقى ضربة إسرائيلية عنيفة للغاية أدت إلى تدمير المبنى بشكل شبه تام وبعثرة الأوراق والملفات السرية، لتكشف معها كثيرا من التفاصيل الحساسة للغاية.
مع وصولي لهذا الموقع الأمني، تتناثر أوراق مبنى أمن الدولة في كل مكان بعد أن لاذت قوات الأمن بالفرار ودخول بعضهم لنهب محتويات المبنى مع سقوط النظام البائد، لكن على جانب القطعة الأمنية العسكرية الضخمة، لا يبدو أن هناك كثيرا من المهتمين بمبنى الإيرانيين المدمر بعد أن فعلت الطائرات الإسرائيلية أفاعيلها فيه.
الاختراق الإيراني للهياكل الأمنية للنظام البائد
وفي التفاصيل؛ حصل تلفزيون سوريا على ملفات سرية من داخل المقر الإيراني يظهر لأول مرة مدى التعاون الأمني الوثيق بين إيران ونظام الأسد، ويثبت تدخلاً وتغلغلاً إيرانياً عميقاً في الهياكل الأمنية لنظام الأسد المخلوع، إذ تبين الوثائق تنظيم دورات أمنية لآلاف المتدربين بهدف دعم وتدريب الأجهزة الأمنية السورية، مما أسهم في الحفاظ على قوة النظام في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
الصورة الأولى تعرض جدولاً يحتوي على تفاصيل عدد من الدورات التدريبية، بما في ذلك عدد المشاركين، وتواريخ البدء والانتهاء، ومكان التنفيذ.
وتظهر الملفات تنوع الفروع الأمنية المستفيدة، حيث تم تنفيذ الدورات في مختلف أفرع أمن الدولة والأمن العسكري مما يعكس انتشار وتأثير التدريب الإيراني على العديد من الأجهزة الأمنية للنظام البائد.
في الوثيقة الأولى؛ يظهر إحصاء لعدد ونوع الدورات الاستخباراتية الإيرانية المنجزة في مجال الأمن العام والأمن الاجتماعي في كل من فرع أمن الدولة والأمن العسكري داخل معسكر الفرع 295 ومدرسة ميسلون التابعة لفرع فلسطين ودير الزور والمعهد.
وفي التفاصيل، تظهر هذه الوثيقة أن الدورات المنجزة من يناير 2018 إلى آذار/ مارس 2018 قد خرجت عشرات المتدربين في كل دورة.
آلاف المتدربين والمتخصصين الأمنيين على يد ضباط فيلق القدس
أما الصورة الثانية فهي رسم بياني ثلاثي الأبعاد يوضح أعداد المتدربين في دورات مختلفة، مما يعطي رؤية واضحة عن حجم الاستثمار الإيراني في التدريب الأمني خلال تلك الفترة.
وتظهر الوثيقة السرية أنواعا جديدة لدروات أمنية نظمتها إيران لعشرات المتدربين محليين (ما بين 80 و 252 عنصر) داخل المقر الأمني بمدرسة الاستخبارات تنوعت ما بين الدورات الاستراتيجية والتخصصية والعامة للمبتدئين ودروات أخرى سميت (والعاديات) في الأعوام 2016، 2017، 2018.
وفي ملف سري آخر عثر عليه موقع تلفزيون سوريا، يظهر أن الوحدة الإيرانية 18050 كانت الجهة الرئيسية المسؤولة عن إجراء التدريبات المختلفة وتأمين الدعم الفني واللوجستي اللازم لها، حيث تبين الصورة النسب المؤيدة للمتدربين المحليين الذين تلقوا دورات مختلفة في هذا الموقع.
وفي الصورة الثالثة، يظهر العدد الحقيقي للمتدربين المحللين على يد الوحدة الإيرانية 18050 ما بين الأعوام 2015 – 2018، إذ وصل لـ 27771 متدرب من مختلف الاختصاصات الأمنية.
وحصل موقع تلفزيون سوريا على وثيقة سرية مهمة للغاية، إذا تظهر الوثيقة باللغة الفارسية اجتماعاً في مكتب العميد أحمد باكر في أمن الدولة، حيث تظهر المعلومات في الصورة، أن اجتماعاً عقد ما بين شخص يدعى (الأخ بشير سلام) والحاج حيدر (ربما ضابط في فيلق القدس) مع العميد عماد حبيب لمتابعة تنفيذ الدورات الأمنية وتطويرها.
وتبين الوثيقة أن متابعة هذه الدورات الأمنية وتطويرها هي من أولويات الحاج حيدر، وأن إيران مستعدة لتقديم كل الدعم الفني والاستخباراتي للمضي قدماً في هذه الدورات.
وبحسب الملف، تشمل هذه التدريبات الأمنية تقديم دورات في مجال الأوسينت والاستخبارات مفتوحة المصدر المتطورة، ودورات في الأمن السيبراني، وتدريبات في مجال الحواجز المفتوحة والتفتيش، وزرع أجهزة التنصت والكاميرات الخفية الاحترافية والتعرف على أجهزة التنصت والكاميرات الخفية، ودورات المكياج لتنفيذ مهام استخباراتية.
تحديات أمنية ضخمة في مواجهة الحكومة السورية الجديدة
في ظل الصدمة التي أصابت النظام الإيراني بعد خسارته لحليفه الرئيسي في الشرق الأوسط نظام الأسد، لجأ إلى التحريض على العنف الطائفي في محاولة لزعزعة استقرار سوريا، وتشير الأعداد الكبيرة للمتدربين في الدورات المختلفة إلى استثمار كبير في التدريب الأمني والعسكري، وهو ما يشكل تحديا كبيرا للحكومة الانتقالية الجديدة.
وبحسب عديد من المراقبين؛ فإن هؤلاء المتدربين العسكريين والأمنيين، الذين حصلوا على تدريب مكثف، لديهم ولاءات وأجندات مختلفة عابرة للحدود، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني في سوريا ويفرض تحديات هائلة على الحكومة الانتقالية.
ويضيف المراقبون أن الحكومة الانتقالية بحاجة إلى تفعيل استراتيجية ناجعة للتعامل مع هؤلاء المتدربين وضمان عدم انجرارهم للأجندات الإيرانية المخربة، كما تحتاج الحكومة الجديدة إلى دعم دولي وعربي كبير لتعزيز قدراتها في إدارة هذه التحديات الأمنية، وضمان عدم عودة النفوذ الإيراني مجدداً إلى سوريا بأشكال مختلفة.
- تلفزيون سوريا































