يقدم العدوان الإرهابي الذي ضرب مدينة مومباي في الهند دليلاً جديداً على فشل الولايات المتحدة في الحرب التي أعلنتها على الإرهاب.
وإذا كانت الحرب مبررة بل ومشروعة بعد 11 أيلول 2001 ونتيجة لها، فإن الكيفية التي اعتمدتها إدارة الرئيس جورج بوش أدّت الى نتائج عكسية. فلا اتهام الإسلام، ولا غزو أفغانستان، ولا اجتياح العراق قدم أي خدمة للسلام العالمي ولا حتى للأمن الأميركي الوطني. بل على العكس من ذلك فإن ردود الفعل التي اتخذت طابعاً انتقامياً عشوائياً زادت من حجم الإرهاب ومن سعة انتشاره. فكانت الجرائم الكبرى في مدريد ولندن، وفي منتجع بالي بأندونيسيا.. الى جانب سلسلة العمليات الإرهابية العديدة الأخرى التي عصفت بالدول العربية والإسلامية.
كان لا بد من التذكير بهذه الحقيقة المأسوية المرّة بعد الفاجعة المؤلمة التي عصفت بالهند والتي تعتبر بمثابة 11 أيلول ثانية، أو 11 أيلول هندية. من حيث المبدأ، فإن العالم كله يدين الجريمة ويستنكرها ويعطي الهند كما أعطى الولايات المتحدة من قبل الحق في معاقبة المجرمين والذين يقفون وراءهم. ولكن أسوأ ما يمكن أن تقوم به الهند هو اقتفاء أثر الإدارة الأميركية وتقليدها في الردّ على هذه الجريمة.
تستطيع الهند مثلاً أن تنتقم في كشمير ومن أهلها المسلمين، إذا ما ثبت أن بعض العناصر التي اشتركت في جريمة مومباي هم من أهل هذه المقاطعة التي تطالب بالاستقلال عن الهند منذ عام 1947. ولكن الانتقام هنا سوف يؤدي الى مزيد من التورط على غرار ما حدث مع الولايات المتحدة في أفغانستان.
وتستطيع الهند أن تنتقم من الباكستان رغم أن باكستان دولة نووية، كما فعلت الولايات المتحدة مع العراق. ولكن الانتقام هنا أيضاً سوف يؤدي الى حرب المائة عام بين الهند الهندوسية وباكستان الإسلامية.
ذلك لا يعني على الإطلاق أن تقف الهند مكتوفة الأيدي وأن تستسلم للإرهاب وأهله. ولكنها تستطيع أن تفعل عكس ما فعلته الولايات المتحدة. أولاً بعدم إهدار التعاطف الدولي بما فيه تعاطف العالم الإسلامي مع الهند في مواجهة جريمة الاعتداء التي تعرّضت لها. وهو ليس مجرد تعاطف إنساني، ولكنه تعاطف سياسي وواقعي يمكن توظيفه في مواجهة عملية وفعّالة ضد الإرهاب.
ثانياً بعدم اللجوء الى غريزة الانتقام بتوجيه الاتهامات العشوائية على قاعدة تحميل الدولة أو المجتمع أو الدين وزر ما ارتكبته عصابة من المجرمين الذين انتهكوا أمن الهند وسلامتها.
ثالثاً بعدم التورط في صراع مع الباكستان التي تعاني مثل الهند من الأعمال الإرهابية التي تنفذ بإسم الاسلام، والإسلام منها براء.
فالهند والباكستان ضحيتان من ضحايا الإرهاب المباشر. ولذلك فإن الدولتين مدعوتان للعمل المشترك في مكافحة الإرهاب.
ولعل من أولويات هذا العمل المشترك معالجة قضية كشمير التي سممت علاقاتهما منذ قيامهما كدولتين مستقلتين اثر الانقسام الكبير الذي وقع في أعقاب الانسحاب البريطاني.
فلا شيء أكثر فعالية لقمع الإرهاب ولاستئصاله من جذوره في شبه القارة الهندية من التفاهم الهندي الباكستاني. وهو تفاهم يفرضه إدراكهما بأن الإرهاب هو عدوهما المشترك وأنه عدو للهندوسية بقدر ما هو عدو للإسلام.
إن التجربة الأميركية في الرد على جريمة 11 أيلول 2001 تؤكد أن محاربة الإرهاب مسؤولية دولية جماعية، وليست مسؤولية الضحية وحدها.. حتى لو كانت هذه الضحية في حجم الولايات المتحدة وتتمتع بما تتمتع به من إمكانات عسكرية واستخباراتية وسياسية واقتصادية.
فالهند كدولة كبرى أيضاً لها من الإمكانات ما قد يغري بردّ متفرّد ذي طابع انتقامي يستجيب لمشاعر الرأي العام الذي صدمته الجريمة المنكرة. إلا أن الهند تتمتع بحكمة لم تكن متوفرة مع الأسف الشديد في إدارة الرئيس بوش، نأمل أن تكون هذه الحكمة هادياً ونبراساً لها في مواجهة تطورات ما بعد الجريمة.
وإذا كان من نافلة القول دعوة الباكستان الى التعاون مع الهند وتزويدها بكل المعلومات التي تملكها عن الإرهابيين ومن يقف وراءهم، فإن من المهم كذلك أن يبادر المجتمع الدولي كله، بما في ذلك دول منظمة المؤتمر الإسلامي الى الوقوف الى جانب الهند ومؤازرتها في مواجهة مسؤوليات ما بعد الجريمة. إنها مسؤولية جماعية استفردت بها إدارة بوش ففشلت.. ويفترض أن لا تستفرد بها الهند حتى يمكن النجاح في بلورة موقف عالمي داعم لها في الحرب على الإرهاب.
"المستقبل"




















