مني الحزب الديموقراطي والرئيس الاميركي باراك أوباما ويرامجه الاصلاحية بنكسة موجعة ستتردد مضاعفاتها السياسية والرمزية أشهرا، عندما فاز المرشح الجمهوري سكوت براون، وهو سياسي حديث العهد لم يكن معروفا قبل ايام، في الانتخابات الخاصة التي أجريت الثلثاء في ولاية ماساتشوستس لملء مقعد مجلس الشيوخ الذي خلا بوفاة السناتور الديموقراطي ادوارد كينيدي وهزم بارتياح مرشحة الحزب الديموقراطي مارثا كوكلي، التي كان يعتقد الى ما قبل اقل من شهر ان نجاحها مضمون، ليحتل ما سمي مدى أكثر من نصف قرن "مقعد كينيدي"، في هذه الولاية الديموقراطية بامتياز.
هذه النكسة، والبعض في الحزب الديموقراطي يعتبرها هزيمة مهينة، بينما يعتبرها المحافظون بمثابة رفض لسياسات اوباما، سجلت عشية الذكرى الاولى لتنصيب أوباما رئيسا للولايات المتحدة، بعد اكتساحه واشنطن محمولا على موجة من الاستياء الشعبي من اخفاقات سلفه الجمهوري جورج بوش في الداخل والخارج، ومع وعد "التغيير" الذي أطلقه وكوّن منه ائتلافا واسعا من الناخبين الديموقراطيين والمستقلين الذين كانوا يتوقون الى طروحات وسياسات مختلفة في واشنطن.
المضاعفات الاولية والآنية لهذه الهزيمة هي انها تمثل تهديدا جديدا لخطة اصلاح برامج الرعاية الصحية، التي استثمر فيها اوباما والديموقراطيون الكثير من الطاقة والموارد والجهد في الاشهر الاخيرة لاقرارها بصعوبة في مجلسي النواب والشيوخ، والتي لا يزال امامها بعض العقبات المهمة قبل ان يصادق المجلسان على صيغة موحدة لها يوقعها الرئيس لتصير قانونا ساري المفعول.
وكان براون قد تعهد خلال حملته تقويض خطة أوباما، قائلا ان انتخابه سيحرم الحزب الديموقراطي الغالبية المطلقة في مجلس الشيوخ التي كان يتمتع بها قبل انتخابات الثلثاء (60 عضوا) التي تسمح له بمنع الاقلية الجمهورية من استخدام الاجراءات البرلمانية لمنع او تأخير التصويت على القرارات المهمة. واذا نجح براون، الذي كان يهتف له مؤيدوه "41" أي انه سيكون العضو الجمهوري الحادي والاربعين في مجلس الشيوخ، في تأخير التصويت على خطة الرعاية الصحية، او ارغام الديموقراطيين على تعديلها جذريا، فان نجاحه مع حزبه سيؤدي الى مفارقة مرّة حتى لتركة السناتور ادوارد كينيدي، الذي كان معروفا بانه " ألاسد الليبرالي" في مجلس الشيوخ والذي كان يعتبر مسألة اصلاح العناية الصحية وتوفيرها لجميع الاميركيين "قضية حياتي".
وبراون هو نقيض كينيدي على كل المستويات، فهو مثلاً يؤيد اسلوب "الاغراق" خلال التحقيق مع المشتبه في تورطهم في الارهاب والذي يرقى الى مستوى التعذيب، وهو الاسلوب الذي أوقفه اوباما بعد انتخابه. كما يعارض القيود التي كان يدعو لها كينيدي واوباما لتقليص اخطار تلويث البيئة. وله مواقف متشددة من المهاجرين غير الشرعيين. واللافت ايضاً ان المحافظين يريدون ان ينسوا ان براون، حين كان شابا وسيما في 1982، خلع ثيابه امام مصور مجلة "كوزموبوليتن" التي نشرت له عددا من الصور العارية. وبعد فوزه قال براون: "مقعد مجلس الشيوخ هذا لا يملكه أي شخص، ولا يملكه أي حزب سياسي… هذا مقعد الشعب".
لكن المضاعفات السياسية والانتخابية الاهم لهذا السباق في ماساتشوستش تكمن في انه يمكن ان يتحول مؤشرا مقلقاً جدا لفرص الديموقراطيين في الاحتفاظ بسيطرتهم على مجلسي الكونغرس في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل، عندما يختار الناخبون الاميركيون جميع اعضاء مجلس النواب، وثلث اعضاء مجلس الشيوخ. ونتائج ماساتشوستس تقلق بالتحديد اعضاء الكونغرس الديموقراطيين الذين يمثلون ولايات محافظة، الامر الذي يعني ان حماستهم او رغبتهم في التصويت على برامج اوباما، بما فيها خطة اصلاح الرعاية الصحية، سوف تتأثر بالمزاج الشعبي، وخصوصاً مواقف واتجاهات شريحة الناخبين المستقلين التي تمثل غالبية الناخبين في الكثير من الولايات. أضف ان ثمة شريحة مهمة من الاعضاء الديموقراطيين المحافظين في الكونغرس، والمعروفين بـ"الكلاب الزرق" الذين سيستخدمون نتائج ماساتشوستس ليقولوا للرئيس وللجناح الليبرالي في الحزب ان مواقفهما وطروحاتهما قد ساهمت في حصول هذه النكسة.
ولم توقف المحاولات المتأخرة التي بذلها الرئيس اوباما شخصيا، عندما قام بزيارة سريعة لماساتشوستس غداة التصويت، وكما فعل قبله الرئيس الاسبق بيل كلينتون لمساعدة كوكلي، موجة السخط الشعبي الناتج من معدلات البطالة العالية، واستياء الناخبين وخصوصاً المستقلين من ارتفاع العجز المالي وازدياد دور الحكومة الفيديرالية في حياة المواطنين، والتي اجتاحت الولاية لتسلب الديموقراطيين المقعد الذي احتله جون ف. كينيدي للمرة الاولى في 1953 قبل انتخابه رئيسا للولايات المتحدة، والذي ورثه عنه شقيقه ادوارد كينيدي في 1962 الى حين وفاته في آب 2009. وفاز براون بنسبة 52 في المئة من الاصوات في مقابل 47 في المئة لكوكلي.
وتحولت هذه المعركة التي كان يفترض ان تكون محلية، وخصوصاً عندما كانت كوكلي قبل شهر متقدمة جدا منافسها الجمهوري، معركة وطنية حين شعر المحافظون والجمهوريون بان امامهم فرصة للفوز بهذا المقعد الثمين وسارعوا في الايام العشرة التي سبقت موعد الانتخابات الى التبرع باكثر من خمسة ملايين دولار لبراون. ورد الديموقراطيون بارسال عشرات المتطوعين الى الولاية لمساعدة مرشحتهم وانفقوا اكثر من مليوني دولار، لكن هذه الجهود كانت ضئيلة ومتأخرة.
وأمام اوباما، الذي امضى الذكرى الاولى لتنصيبه رئيساً وهو يقّوّم ويدرس ويستوعب ابعاد هزيمة ماساتشوستس، ايام قليلة قبل خطابه "حالة الاتحاد" ليشرح للديموقراطيين الذين اذهلتهم النكسة، ولخصومه المحافظين الذين يشمون الان رائحة الدم ويحضرون للانقضاض على برامجه وعلى حزبه في تشرين الثاني المقبل، كيف سيتعامل مع مثل هذه الهزيمة الموجعة. وسيكون خطابه عن حال الحزب الديموقراطي، وعن حال رئاسته ايضاً.
واشنطن – من هشام ملحم
"النهار"




















