توجهت أخيراً في رحلتي السابعة إلى العراق لمحاولة الإجابة عن سؤال مهم: هل ستنفجر البلاد بعد انسحاب الجنود الأميركيين؟ لكن الجواب قد يكون على بعد 600 ميل نحو الغرب – في بيروت التي قصدتها بعد بغداد. قد يكون السيناريو الأفضل للعراق أن يصبح نسخة أكثر تخلفاً عن لبنان. يتشاطر البلدان سمات مشجِّعة لا يتقاسمها أي منهما مع أي بلد آخر في العالم العربي: تنوّع إتني وديني، انتخابات حرة ونزيهة إلى حد ما، وعلى الأقل درجة معيّنة من حرية التعبير.
لكن لبنان ليس في حالة جيدة هذه الأيام. بدا مستقبل البلاد برّاقاً عندما استأجرتُ شقة هناك خلال أجزاء من عامَي 2005 و2006 – بعد "ربيع بيروت" عندما أدّت تظاهرات حاشدة غير عنيفة إلى طرد النظام العسكري السوري المحتل. لكن عام 2006، عادت الحرب إلى بلاد الأرز. ومنذ ذلك الوقت، شُنَّت حربان أخريان هناك، ومن شبه المحتوم أن تندلع حروب إضافية. حتى المراقب المتفائل لا يسعه سوى أن يلاحظ بعض نقاط التشابه غير المشجّعة بين لبنان والعراق – ولا سيما الطائفية والنزعة إلى تشجيع التدخّل الأجنبي. إذا كان لبنان نموذجاً يحتذى للعراق في جوانب معيّنة، فهو يشكّل في جوانب أخرى مثالاً عما يجب أن يتفاداه ذلك البلد.
كان الانتقال من بغداد إلى بيروت أشبه بالسفر مئات السنين في المستقبل. قد لا تكون بيروت باريس الشرق الأوسط، كما سمّاها كثر، لكنها أكثر تطوراً بكثير من القاهرة (العاصمة الثقافية للعالم العربي) أو أي مدينة عربية أخرى. يزور مئات آلاف السياح بيروت سنوياً سعياً لتذوّق أطباقها الفاخرة والمشاركة في مهرجانات الأفلام ومعارض الفنون والاحتفالات الموسيقية في الهواء الطلق. أو سعياً وراء الرذيلة فيها: عدد كبير من السياح هم عرب أثرياء من الخليج يستطيعون عندما يكونون بحاجة إلى استراحة من أوطانهم المحافظة إلى درجة التعصّب، أن يتوجّهوا إلى بيروت للعب القمار ومعاقرة الخمرة ومطاردة الفتيات. تكثر المكتبات، وعدد كبير منها مليء بالكتب. وتتوافر معظم الكتب باللغتين الإنكليزية والفرنسية؛ فنسبة كبيرة جداً من البيروتيين تتقن اللغتين معاً.
على الرغم من أن المجمعات السكنية التي بنيت خلال الحرب الأهلية بين 1975 و1990 ليست أفضل بكثير من الأبراج الكئيبة المبنية في البلدان الشيوعية، فنّ العمارة القديم في المدينة جميل. تكثر سطوح القرميد والحلى المعمارية الأوروبية والقناطر المشرقية والشرفات المصنوعة من الحديد المطاوِع، ولا تزال بعض الشوارع مرصوفة بالحصى ومغلقة أمام حركة السير. المباني الحديثة جداً جذّابة أحياناً بطريقة مختلفة، ولا سيما ناطحات السحاب الزجاجية التي تعكس لون البحر المتوسط القرمزي، في أماكن كانت ركاماً قبل وقت قصير. معظم العواصم في الشرق الأوسط خارج إسرائيل قذرة؛ بيروت هي أنظف عاصمة رأيتها في تلك المنطقة.
غير أن الاختلاف الأكثر لفتاً للأنظار بين لبنان وباقي العالم العربي هو معاملة النساء. تُنتخَب النساء في مجلس النواب اللبناني، وقلة من اللبنانيين يعتبرونها مشكلة. في بيروت، معظم النساء لا يرتدين غطاء الرأس أو العباءة – بل إن ثيابهن أقرب إلى ثياب الإيطاليات. والشابات اللبنانيات اللواتي يغطّين رأسهن ينتعلن في معظم الأحيان جزمات حتى الركبة ويرتدين قمصاناً ضيقة وجينزاً ملتصقاً بالجسم.
صحيح أن لبنان يعاني من "هجرة الأدمغة" إلى بلدان مثل الولايات المتحدة والبرازيل – اللتين تضمان عدداً من اللبنانيين أكبر من ذاك الموجود في لبنان نفسه – وإلى دول الخليج الفارسي حيث معظم المبدعين هم لبنانيون. لكنه يعوّض عن هؤلاء المهنيين الموهوبين والمثقّفين بخلق مواهب جديدة. النظام التربوي في البلاد، على الأقل للطبقتَين الوسطى والعليا، ممتاز. وقد أنشئ الجزء الأكبر منه في القرن التاسع عشر على يد إرساليات غربية فشلت إلى حد كبير في جعل المسلمين يعتنقون المسيحية، لكنها تركت وراءها مدارس عالية النوعية تدرّس باللغتَين الإنكليزية والفرنسية ومستلهَمة من تلك الموجودة في الغرب. ولا تزال الجامعة الأميركية في بيروت التي تأسست عام 1866 تُعتبَر هارفرد الشرق الأوسط.
لا عجب في أن عدداً كبيراً جداً من العرب يحسدون البيروتيين على الحريات التي يتمتّعون بها. فكثر مستعدّون لأن يغادروا بكل سرور ما يسمّيه ناشر صحيفة "النهار"، غسان تويني، "السجن العربي الكبير" – تلك الكتلة من الديكتاتوريات من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي – ويلجأوا إلى حرية لبنان المحفوفة بالمخاطر. قال لي الروائي المولود في السعودية، محمد رشيد، بعدما تخلّى عن منفاه الطوعي في فرنسا "أنا في لبنان الآن لأنه يجب أن أعيش في بلد متحضّر". وقال لي صاحب متجر ليبي "أريد أن أعيش في لبنان. بيروت متحضّرة! يختلط الرجال والنساء بحرية في لبنان". أما بيتر غريمسديتش المولود في بريطانيا والذي يتولّى إدارة تحرير صحيفة "دايلي ستار" الناطقة الإنكليزية في بيروت، فقد قال لي عام 2005 إنه ليس هناك من مكان آخر يحب أن يعيش فيه: "لم أشعر في أي مكان آخر في العالم بوطأة أقل لسلطة الدولة. أوروبا لا تطاق أبداً".
يسأل صاحب المطعم اللبناني مكرم زيني "لماذا يُعتبَر العراق الديموقراطية العربية الأولى؟ نعلّم الديموقراطية في المدارس هنا، ونمارسها منذ أكثر من خمسين عاماً"، منذ استقلال البلاد عن فرنسا عام 1943. لا شك في أن الديموقراطية اللبنانية في حالة فوضى، لكنها جفرسونية بكل ما في الكلمة من معنى مقارنة بأي شيء آخر في العالم العربي.
والبلاد هي أيضاً مكان آمن نسبياً للتعبير عن الرأي. فلطالما كانت ملاذاً للمعارضين من البلدان الأخرى الناطقة العربية، وحتى للغربيين المستائين. عدد الناشطين في مجال حقوق الإنسان الذين التقيتهم في بيروت موازٍ تقريباً للعدد في الولايات المتحدة – ولا أتحدّث عن غربيين أصبحوا من السكان المحليين، مع أنني التقيتهم أيضاً. للبنان مجتمع داخلي المنشأ ناشط في مجال حقوق الإنسان تُقلِقه المسائل نفسها التي تقض مضجع نظرائه الغربيين: حرية التعبير، والألغام الأرضية، والسجناء السياسيون والحقوق المدنية للمثليين الجنسيين. يقف أنصار منظمة "غرين بيس" خارج مقاهي "ستاربكس" في بيروت الغربية لطلب تبرّعات، تماماً كما يفعلون في سياتل وبورتلاند.
أحد الأسباب وراء الليبرالية غير العادية في لبنان هو تاريخ التأثير الغربي فيه. فكما كتب فؤاد عجمي في Beirut: City of Regrets (بيروت: مدينة الندم)، إنه مكان حيث "يتعرّف الغربيون على أجزاء من عالمهم". تأثّر الفينيقيون القدامى الذين كانوا أوّل من طوّر المنطقة ونشر الحضارة فيها، بالإغريق من نواحٍ عدة، وجعلهم الإسكندر الكبير إغريقيي الطابع إلى حد ما. ما يُطلَق عليه الآن اسم لبنان كان جزءاً من الأمبراطورية الرومانية طوال قرون؛ وحكمه الصليبيون في القرنَين الثاني عشر والثالث عشر؛ ثم تولّت فرنسا إدارته من نهاية الحرب العالمية الأولى حتى عام 1943. حتى الآن، يتكلّم لبنانيون كثر الفرنسية في منازلهم بدلاً من العربية. يقول سليم الصايغ، نائب رئيس حزب الكتائب "لسنا ورثة الأمبراطورية الفارسية والعالم العربي وحسب. نحن أيضاً أبناء الأمبراطورية الرومانية والتقليد الغربي".
لسوء الحظ، قد لا يكون تاريخ لبنان الليبرالي كافياً لإنقاذه. فهناك أمران لا يزالان يجرّان هذا البلد الحديث والمتطوّر، والمزدهر نسبياً، نحو الأسفل: الطائفية وما يرتبط بها من استعداد للترحيب بالأجانب الذين يبحثون عن أماكن للقتال. نحو ثلث اللبنانيين مسيحيون، والثلث سنّة، والثلث شيعة؛ وحوالى خمسة في المئة من السكان دروز. تُقسَم السلطة بين زعماء المجموعات الأساسية الثلاث: الرئيس مسيحي دائماً، ورئيس الوزراء سنّي، ورئيس مجلس النواب شيعي. لا يولّد النظام اللبناني ديكتاتوريين بكل سهولة. لا يحكم أي شخص لوحده؛ من شبه المستحيل إقرار تشريع من دون إجماع. تعمل الضوابط والتوازنات السياسية بسلاسة إلى حد ما، عندما يكون النظام متحرراً من الضغوط الخارجية.
المشكلة هي أنه نادراً ما يكون لبنان متحرراً من الضغوط الخارجية. على العكس، إنه ثقب اسود جيوسياسي يجذب القوى الخارجية. وخير مثال على ذلك هو أن الحرب الأهلية التي استمرت من 1975 حتى 1990 بدأت مع تعدٍّ على الأراضي اللبنانية: الدولة داخل الدولة التي أقامها الفلسطينيون بزعامة ياسر عرفات في بيروت الغربية وجنوب لبنان، والتي دعمها السنّة المحليون إنما عارضها معظم المسيحيين بما في ذلك الميليشيات المسيحية. وقد تدخّل الاتحاد السوفياتي وساعد الحزب التقدّمي الاشتراكي بقيادة الزعيم الدرزي كمال جنبلاط في "مقاومته" ضد هؤلاء المسيحيين "اليمينيين" وفي معركته باسم الفلسطينيين. عندما نفّذت إسرائيل اجتياحها عام 1982 لطرد منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة عرفات، أنشأ الحرس الثوري الإيراني ميليشيا "حزب الله" لقتال الدولة اليهودية. وبدورها شكّلت إسرائيل تحالفاً مع الميليشيات المسيحية ضد الفلسطينيين، ودعمت جيش لبنان الجنوبي الذي كان بمثابة الميليشيا التي تنوب عنها في مواجهة "حزب الله". لا يزال المال والتدريب والأسلحة تتدفق حتى يومنا هذا من إيران إلى "حزب الله".
عدد كبير من اللبنانيين سعداء بأن يكونوا وكلاء عن قوى أجنبية، فهذا يساعدهم على المناورة للحصول على مناصب في مواجهة الطوائف المنافسة التي تدعمها قوى أجنبية أخرى. لقد عمل الشيعة مع سوريا وإيران، في حين كان الأسياد الأساسيون للدروز الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وفي مرات عدة، ربط السنّة مصيرهم بمصر ومنظمة التحرير الفلسطينية والسعودية وفرنسا وأميركا. وعمل المسيحيون في لبنان أيضاً مع أطراف عدة كالولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل والعراق في عهد صدام حسين.
المعركة بين فريق 14 آذار – وقوامه في شكل خاص سنّة ومسيحيون ودروز – الذي طرد الاحتلال السوري عام 2005، وفريق 8 آذار بقيادة "حزب الله"، تتمحور إلى حد كبير حول ما إذا كان لبنان سيبقى موالياً للغرب أو ينضم من جديد إلى المحور السوري-الإيراني. وهكذا يبقى لبنان أرضاً خصبة للمعارك التي تخاض على أرضه بالنيابة عن أطراف أخرى. بعد الجلاء السوري، اندلعت الحرب في لبنان مرة في السنة طوال ثلاث سنوات متتالية. أولاً، أطلق "حزب الله" أحادياً شرارة حرب مدمِّرة مع إسرائيل عام 2006. ثم خلال صيف 2007، حارب الجيش اللبناني إرهابيي "فتح الإسلام" المدعومين من سوريا في مخيّم اللاجئين الفلسطينيين في نهر البارد شمال لبنان – وخسر في شهرين عدداً من الجنود يوازي عدد الجنود البريطانيين الذين سقطوا في العراق على مر خمس سنوات. وفي أيار 2008، شنّ عناصر ميليشيا "حزب الله" وحلفاؤهم اعتداء مسلّحاً على بيروت لإرغام رئيس الوزراء فؤاد السنيورة على منحهم سلطة التعطيل في الحكومة.
على الرغم من كل الاضطرابات التي تعاني منها بيروت، لا تزال مكاناً حديثاً ومزدهراً وديموقراطياً إلى درجة معيّنة. لكن لنتحوّل 600 ميل نحو الشرق: تبدو بغداد وكأنها مكب نفايات. يبدو مبنى مجلس النواب وكأنه مصنع إطارات. وتمتلئ المنطقة الخضراء في وسط المدينة بمساحات ميتة بحجم بلدات صغيرة، تخنقها الأعشاب وتسبّب رهاب الأماكن المكشوفة. في بغداد كما في مختلف أنحاء العراق، المنازل مطوّقة بجدران تمنع الاحتكاك الاجتماعي وتبدو وكأنها صُمِّمت خصيصاً لشن حرب حصار. كل الأبنية التي شُيِّدت منذ وصول صدام حسين إلى السلطة ليست ممتعة للنظر.
كان تأثير التوتاليتارية على الشعب العراقي مدمِّراً تماماً مثل تأثيرها على المباني. قالت امرأة عراقية لمراسل مجلة "نيو يوركر"، جورج باكر، قبل سنوات عدة في جملة شهيرة "يجب أن أعمل مع الأميركيين، لأن صدام حسين دمّر نفسيتي. لم يدمّر نفسيتي وحسب بل نفسية كل العراقيين". يعاني العراق أيضاً من التخلّف نفسه الموجود في العديد من البلدان العربية التي لم يحكمها قط أشخاص يضاهون صدام حسين شراً. يقول عبدالله مهتدي، وهو ثوري إيراني وشيوعي سابق يدير معسكراً مسلّحاً في شمال العراق، عن "الثقافة القبلية والعائدة للقرون الوسطى" في العراق، إنها متخلّفة بطريقة مثيرة للصدمة حتى مقارنة بإيران، فما بالكم بلبنان. يقول "الهمجية، الخروج عن القانون، الثأر – كان العراق ولا يزال بدائياً جداً، باستثناء كردستان. تنظر إليه ويفاجئك مدى تخلّفه سياسياً".
لا وجود عملياً للثقافة الراقية. هناك مكتبات في بغداد، لكن القول العربي الشهير "القاهرة تكتب، وبيروت تنشر، وبغداد تقرأ" لم يعد صحيحاً منذ سنوات. لا وجود للمطاعم الفاخرة، ولا تقبل المتاجر بطاقات الائتمان، وسلاسل المطاعم التي تعمل حتى في العديد من البلدان الشديدة الفقر لا تجرؤ على فتح فروع لها في العراق. وكل شيء معطّل تقريباً. تسيل مياه المجارير في الشوارع، وتصل أحياناً إلى مستوى الكاحل؛ والكهرباء مقطوعة نصف الوقت. لا تجرؤ على شرب المياه من الحنفية أو حتى لمسها – فقد تتشقّق بشرتك. وبعض عناصر الشرطة يسرقونك أو يضربونك أو حتى يخطفونك بدلاً من أن يساعدوك.
على غرار لبنان، يعاني العراق من هجرة خطيرة للأدمغة. في العقدَين الماضيين، هرب الملايين إما من قمع صدام حسين وعنفه وإما من الميليشيات وزمر الموت التي راحت تسرح وتمرح في البلاد بعد الاجتياح الأميركي. السواد الأعظم من خيرة الأشخاص وألمعهم غادروا البلاد ولن يعودوا أبداً. لكن خلافاً للبنان، لا يعوّض العراق عنهم بخلق مواهب جديدة.
ولا تتمتّع النساء في العراق بشيء من الحرية الموجودة في لبنان. فكما في الجزء الأكبر من الشرق الأوسط، تبقى النساء مخبّآت خلف جدران منازل أزواجهن وآبائهن. ومن يُسمَح لهن بالخروج مرغمات، بحكم القانون أو الأعراف، على "الاحتشام" في لباسهن. أكثر من 90 في المئة من النساء اللواتي رأيتهن في بغداد يضعن غطاء الرأس أو يرتدين عباءة شبيهة بالخيمة تغطّي كل شيء ما عدا وجوههن. حتى إن العديد من النساء المسيحيات في بغداد يستسلمن للمتعصّبين الدينيين المتنمّرين ويضعن غطاء الرأس عند خروجهن إلى العلن. في الأحياء الأكثر ليبرالية في بغداد، عدد النساء غير المحجّبات أقل منه في الضواحي المتعصّبة الخاضعة لسيطرة "حزب الله" في بيروت.
ترجمة نسرين ناضر
غدا حلقة أخيرة:
حيث يتقدم العراق على لبنان
(مراسل أجنبي مستقل في بورتلاند في أوريغون. صدرت مقالاته في "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" ومنشورات أخرى. وينشر أيضاً على موقع www.michaeltotten.com.)
"النهار"




















