ليس كل عمل عنف ارهاباً. العنف وسيلة وليس هدفاً في حدّ ذاته. وضحايا العمل العنفي ليسوا مقصودين لذواتهم، ولكنهم مجرد جسر للوصول الى الهدف المقصود ارهابه.
ينتهي عمل العنف بارتكابه. ولكن حالة ما بعد العمل العنفي هي التي تبيّن ما اذا كان المرتكب نجح في تحقيق هدفه أم انه فشل في ذلك.
ان هدف مرتكب أعمال العنف، من قتل دون تمييز، ومن تدمير دون أي حساب، هو اثارة حالة من الذعر والهلع في نفس المستهدَف، فاذا نجح المرتكِب في ذلك يكون عمله العنفي قد تحوّل عملاً ارهابياً.
في هذه الحالة يصبح الضحية غير المباشر، هو الضحية المباشر. وينعكس ذلك في قلقه الدائم من احتمال وقوع عمل عنفي آخر. لا يعرف أين؟ ومتى؟ وكيف؟ أو من يكون المستهدف المباشر في المرة القادمة؟ وبالتالي فهو يستعدّ لمواجهة عدو مجهول وغامض، ربما يكون في الداخل، وربما يأتي من الخارج. وربما يضرب في قطار أو طائرة أو في محطة لتوليد الكهرباء.. وربما يسمّم المياه، أو.. أو.. الخ..
تولد هذه الأمور حالة خوف وقلق وذعر مما يحمل صاحب القرار على اتخاذ مختلف أنواع الاستعدادات الاستثنائية حتى ولو كانت على حساب بعض القيم والقوانين، وهي غالباً ما تكون على حساب القيم والقوانين. فيعمّ بذلك الخوف بين المواطنين أرادَ ذلك أو لم يرد. وهذه الحالة هي الارهاب.
يعني ذلك ان دور مرتكب فعل العنف ينتهي عند حدود الجريمة التي يكون قد ارتكبها ضد الأبرياء والمدنيين. ولكن حالة الخوف من أن يبادر الى ارتكاب جريمة اخرى، سواء كان يخطط لذلك أم لا، وما تفرضه هذه الحالة من سلوكيات واجراءات ومواقف سياسية وأمنية، تكمل عملية العنف وترتفع بها الى المستوى الارهابي الخطير.
واذا أخذنا الرئيس الأميركي السابق جورج بوش مثلاً فاننا نجد كيف ان ادارته حوّلت عمل العنف الرهيب الذي ارتكبه تنظيم القاعدة في 11/9/2001 في نيويورك وواشنطن الى عمل ارهابي من الدرجة الأولى، حيث أدّت تصرفاته الى اشاعة الخوف بين الأميركيين، وأحدثت اضطراباً في سلوك ادارته وأملى عليها قرارات ومواقف حققت ما كان مرتكِب الجريمة يسعى اليه. فعلى الصعيد الداخلي الأميركي تحوّل المجتمع الاميركي من مجتمع منفتح يحترم التعدد، الى مجتمع مستنفر ضد كل ما يمتّ الى الاسلام أو العرب وحتى أصحاب اللون الأسمر.. وانتهكت الادارة الأميركية قوانين الحريات العامة على قاعدة ان الأمن قبل الحرية، بل انها انتهكت حتى القوانين والمواثيق الدولية التي تتعلق أساساً بحقوق الانسان. وذهبت الى حد اقامة معتقل غوانتانامو حيث زُجّ بالمئات من الأبرياء الذين اعتُقلوا لمجرد تواجدهم في مناطق داخل أفغانستان أو باكستان. ثم اضطرت الى اطلاق سراح معظمهم بعد أن تبيّن لها انهم أبرياء، فحملوا من غوانتانامو مشاعر الحقد والتصميم على الانتقام على النحو الذي تتوالى فصوله التدميرية في أفغانستان والباكستان وحتى في اليمن. وذهبت الادارة الاميركية الى احتلال افغانستان بحجة ضرب نظام طالبان الذي كان يحمي زعيم القاعدة ابن لادن ؛ ثم الى غزو العراق بحجة ان الرئيس السابق صدام حسين كان على علاقة بالقاعدة وانه يملك أسلحة دمار شامل يخشى أن تصل الى القاعدة. فاذا بالحقيقة تُكتشف، وهي ان صدام حسين كان ضد المتطرفين الاسلاميين، وانه لم يكن على علاقة بابن لادن، وانه لم يكن يملك أسلحة دمار شامل من اي نوع..
ثم أن الخوف أملى نوعاً جديداً من الخطاب السياسي، فاذا بالرئيس بوش يتحدث عن "صليبية جديدة"، واذا به يصنّف دول العالم على قاعدة "من هم معنا هم الأخيار، ومن هم ضدنا هم الأشرار"، واذا به يعلن عن وجود حلف للشيطان يضمّ العراق وأفغانستان وكوريا الشمالية ؛ ثم اذا بالاعلام الاميركي المرتبط او المتأثر بسياسة ادارته يجعل من الارهاب والاسلام وجهين لحالة واحدة. بل انه ذهب الى أبعد من ذلك عندما اعتبر الاسلام هو مصدر الارهاب.
أدّت ردود الفعل هذه الى انحسار التعاطف العالمي – والاسلامي بشكل خاص- مع الولايات المتحدة بعد جريمة 11\9 المروعة.. فخسر الرئيس بوش حربه على الارهاب التي لم تؤدِ الا الى المزيد من الارهاب والى توسيع مساحة انتشاره. فالخوف استدرج المزيد من الخوف. وبالتالي المزيد من المواقف الخاطئة والقرارات المتعثرة، الأمر الذي حقّق المكاسب التي كان يتطلّع اليها مرتكبو جريمة العنف الكبرى في نيويورك وواشنطن، واستولد من تلك الجريمة التاريخية الحالة الارهابية التي هبطت بسمعة الولايات المتحدة أمام نفسها الى الحضيض (كما أثبت ذلك هبوط شعبية الرئيس بوش الى مستوى قياسي في تاريخ الرؤساء الأميركيين، ومن ثم فوز الرئيس الحالي باراك أوباما كردّ فعل على رفض الأميركيين للحزب الجمهوري الذي كان يتزعّمه بوش) كما هبطت سمعتها أمام العالم كله.
جاء الرئيس أوباما ليضع حداً لهذه الحالة. وليعيد للولايات المتحدة صورتها وصدقيتها أمام نفسها وأمام العالم. وكان واضحاً انه أدرك منذ انتخابه ان المدخل الى ذلك هو وضع حد لحالة الخوف المسيطرة على عمليه القرار الأميركي والتي كانت ثمرة لعمليات العنف التي تعرّضت لها بلاده. فكانت زيارته اولاً الى اسطنبول.. ثم الى القاهرة حيث ألقى خطابه الشهير الذي كان بمثابة اعلان عن انتهاء حالة الخوف.حاول اعادة الأعمال العنفية الى حجمها، والى تحميل أصحابها وحدهم المسؤولية، وبالتالي الخروج من حالة الارهاب، والانفتاح من جديد على العالم، وعلى العالم الاسلامي خاصة.
ولتأكيد ذلك طرح مبادرته الشجاعة لمدّ جسور الاحترام والثقة؛ ولو نجح في ذلك لطوى فعلياً صفحة الارهاب بكل مآسيها ومخازيها، ولتمكّن بالتالي من استدراج العالم الاسلامي الى مشاركته في مواجهة قوى الغلو والتطرف التي تسيء الى الاسلام كما تسيء الى العالم كله من خلال ما تقوم به من أعمال عنف تتنافى مع كل القيم الدينية والانسانية.
غير ان قراره بتصعيد الحرب في أفغانستان وبمواصلة قصف القرى الأفغانية التي قد يلجأ اليها أعضاء من حركة طالبان.. ثم ارتداده عن تعهداته بوقف الاستيطان الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية المحتلة تحت ضغط اللوبي الصهيوني، وفشله في التقدم خطوة واحدة الى الأمام نحو تحقيق ما التزم به تجاه الشعب الفلسطيني المضطهد (في اسرائيل) والمحتل (في الضفة الغربية) والمشرّد (في أصقاع الدنيا)، ان كل ذلك يوحي بأنه يدفع دفعاً الى نقطة الصفر مرة اخرى!!.
ولكن قبل ان يصل الرئيس أوباما الى هذه النقطة لا بد من أن يرنّ جرس انذار ما، محذراً من إعادة ارتكاب الخطأ الفادح الذي ارتكبه سلَفه وهو تحويل أعمال العنف حالة ارهابية تملي قرارات ومواقف على قاعدة الخوف والاضطراب.
والسؤال الآن هو: من يرن هذا الجرس؟!.
"المستقبل"




















