في الوقت الذي عمل "أنصار المستبدة" على استغلال النظرية الشيعية الكلاسيكية في الإمامة من أجل الإبقاء على الأمر الواقع، وظف المحقق النائيني الإشكالية نفسها على النقيض من ذلك، وبطريق معاكس، في محاولة منه لشرعنة حق ولاية الأمة على نفسها في عصر الغيبة مؤكدا أن هذه المسألة تقع ضمن الأمور الحسية وليس ضمن التكاليف العمومية، أيّ أن ولاية الأمة على نفسها شأن سياسيّ محض وليس أمرا دينيا أو شرعيا، ما يقطع الطريق أمام تدخل فقهاء السلطة في المسألة برمتها.
كما أكد من ناحية أخرى أنه إذا كان الشيعيّ المعاصر غير مكلف أساساً، في إطار المعنى الفقهيّ للتكليف، بإقامة "الحاكمية الإلهية" حال استحالة تطبيقها والاكتفاء بانتظار أوبة الإمام المُحتجب؛ إلا أنه مكلف شرعاً (وهنا يستحضر النائينيّ آلية الشرعية المضادة) بأنْ ينخرط في العمل السياسيّ وذلك بتحويل السلطة المستبدة إلى سلطة ديمقراطية، وبما ينسجم مع مصلحة الأمة. وبحسبه فإن السلطة المستبدة إنما تغتصب حقين معا: حق الإمام من جهة، وحق الأمة من جهة ثانية، في حين أن السلطة الديمقراطية المشروطة تغتصب حقا واحدا فقط هو حق الإمام الغائب، وهو أمر لا مناص منه ما دام الأخير غائبا.
ويوضح النائيني رأيه أكثر بقوله: "وبالجملة؛ فإن المسألة مسألة مجلس نيابيّ شوريّ يبحثُ في صالح الأمة ويقيم الوظائف اللازمة لذلك، لا مسألة حكومة شرعية". وهو بذلك يهدم الحجج التي أراد "أنصار المستبدة" من خلالها إيهامَ الأمة بأنّ هذا العصر هو عصر خلافة الإمام، وأنّ المغتصبين مبعوثون، في حين لا العصر عصرُ خلافةٍ ومغتصبيها، وليس الغرض من بعث المبعوثين إلا تحديد الاستيلاء الجوريّ على الأمة وسلطتها.
وبهذا يفضي تمأسس فقهاء الشيعة من "أنصار المستبدة" إلى ضرب من التشيع السياسيّ يتقاطع وفقهاء السلطة في التجربة السياسية السنية، كما يفضي فعليا إلى نوع من الإكليروس أو "شعبة الاستبداد الدينيّ" على حد تعبير النائينيّ الذي لا يرى فرقا بين السجود للفراعنة والطواغيت وانتظار الغفران من الباباوات، وبين الانقياد الأعمى للكهنوت الشيعيّ حيث تتماثل السلطة الإكليركية بنيويا في المجال الدينيّ مع السلطة المستبدة في المجال السياسيّ مُؤلهة الحاكمَ والمرجعَ الدينيّ في آن معا.
وهو بذلك يركز على رابطة التواشج البنيويّ بينهما، أو ما يُطلق عليه البعض لفظة "التضايف" (Caretation)، أي الاشتراط المُتبادل بالعلاقة التواشجية التي تتجلى من خلال مظاهر التقديس والتأليه على الصعيدين الدينيّ والسياسيّ معا. ومن هنا نتفهم مدلول "التشيع السياسي" باعتباره يشير إلى حالة التمأسس لدى فقهاء الشيعة.
والواقع أنّ سجال النائيني في كتابه "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" يرمزُ إلى انقسام المؤسسة الدينية بين مؤيد للحكم المطلق "أنصار المستبدة" ومناصر للحكم الدستوريّ "جماعة المشروطة". والمشروطة هي الترجمة المحلية لكلمة الدستورية، التي لا تزال بعض الحركات السلفية الجهادية ترفضها باعتبارها بدعة وضلالة!!
أضف إلى ذلك أيضا، أنّ مجازَ تحرير "الأَمَةِ السَوداء" الذي استخدمه النائينيّ للإشارة إلى حقيقة المشروطة بما هي محاولة لتحرير السلطة من آثار اغتصاب المستبدين، يتجاوزُ الإشارة الهامشية بحيث يكاد يشكل جوهر نص كتابه كله. فضلا عن أنه بالرغم من كون الاستدلالات الأصولية التي قام بها النائينيّ لم تخرج على طوق خطاب علم الأصول الحوزويّ، إلا أنها خرجت على أفقه لجهة قبلياته القرائية ومقدماته الحجاجية التي كانت من خارج نص الحوزة وشابّة على طوقها، وهو ما يبرر وصفه من قبل بعضهم بمفكر المشروطية وليس بفقيهها.
يتحصل مما سبق؛ أنّ مفهوم التشيع السياسيّ يعني التنوعات الثلاثة التي عرضنا لها في المقالات السابقة، فيفيد أولاً: معنى الولاء والانتماء، كما يعني ثانياً: الارتحال القائم ما بين النظريتين الشيعية والسنية في السياق السياسيّ والذي تكون فيه الغلبة والتأثير للأولى على حساب الثانية، كما يُقصد به أخيراً: تمأسُس فقهاء الشيعة في مقابل فقهاء السلطة في التجربة السنية.
وهكذا يُفضي الفكر السياسيّ الإسلاميّ، شيعياً كان أم سنياً، إلى قابلية تشكلهِ أيديولوجيا على الصعيدين النظريّ والعمليّ. وفي كلا الحالين، يحتاج الفكر السياسيّ الإسلاميّ إلى مُراجعةٍ شاملة قد تفضي إلى استبعاد العديد من وسائلهِ ومناهجهِ بحثاً عن تنظير مُختلف وتجربةٍ متنوعة.
() أكاديمي وباحث مصري
"المستقبل"




















