حازم صاغيّة
من يتابع الكلام العربيّ الزاخر بالنضال والعامر بالمروءة يخال أنّ تطوّر الآلة في التاريخ حدث لا معنى له ولا يترتّب عليه معنى، أو أنّه «فضلة عشانا» كما نقول بالعامّيّة. فليس مهمّاً أنّنا، في مواجهة كارثة الطائرة الأثيوبيّة، لم نجد إلاّ الطائرة الأميركيّة «يو إس إس راميج» تحدّد موقع «الصندوق الأسود» لأنّ الولايات المتّحدة البلد الوحيد الذي طوّر جهاز «سونار» القادر وحده على أداء المهمّة. وليس مهمّاً أيضاً، في كارثة هايتي الكبرى، أنّ الولايات المتّحدة كانت البلد الوحيد الذي امتلك المعدّات المطلوبة لرفع الأنقاض ولأداء مهمّات لا إنقاذ من دونها في ظلّ تعطّل المطار ودمار الأرصفة والبنى التحتيّة.
وهذا، بالطبع، ليس دعوة إلى عبادة الآلة، ولا إلى الانبهار بقدرتها على القتل أو بطاقتها على إحداث الجنون التدميريّ أو بتمهيدها لبقرطة العالم وأخذه بالأوامر. لكنّنا حين لا نقرّ بأيّ معنى للآلة وهي تنفّذ وظائف وأدواراً إنسانيّة، يكون المسّ والعطب قد أصابانا عميقاً. وكان الموقف ليكون مفهوماً أكثر، ومنطقيّاً أكثر، لو رافقه رفض جذريّ لتدخّل هذه التقنيّة في المساعدة الإنسانيّة.
واقع الحال أنّ الثقافة العربيّة ليس من شيمها تجاهل الآلة أو معاملة تاريخها كما لو أنّه لزوم ما لا يلزم. دليل ذلك شدّة تغنّينا بـ «الإسطرلاب» الذي صنعته الحضارة الإسلاميّة ذات مرّة، على رغم أنّ الكثرة الكاثرة منّا لم تعد تعرف ما معنى الكلمة، أو تردادنا إسم عبّاس بن فرناس بوصفه «مخترع الطيران» لأنّه ألصق بيديه جناحين اصطناعيّين وطار قبل أن يهوي أرضاً. ومن هذا القبيل أنّ نائب رئيس الجمهوريّة السوريّة فاروق الشرع حين ألمّ به عارض صحّي نُقل إلى مستشفى الجامعة الأميركيّة في بيروت، ففضّلها على العلاج في ظلّ آلات يقف وراءها «الأخوة والرفاق الوطنيّون والقوميّون والإسلاميّون». فهؤلاء الأخيرون موجودون لتحطيم الآلة لا لصنعها.
أغلب الظنّ أنّنا كرهنا التقنيّة وأنكرنا عليها أفعالها الإيجابيّة لأنّنا كرهنا المتحكّمين بها، أي الأميركيّين والغربيّين عموماً. وهذا بذاته سيّىء بما يكفي مثله مثل رمي الطفل مع الغسيل الموحل. فكلام النضال والمروءة عند العرب سارع إلى تصوير باراك أوباما وكأنّه فرك يديه في مجرّد سماعه أخبار الكارثة في هايتي وقال: ها قد واتتني الفرصة لإقامة قاعدة عسكريّة فيها أتحكّم من خلالها بفنزويلاّ شافيز وكوبا كاسترو. فهل يعقل في رئيس أميركا أن ينطوي على ذرّة، مجرّد ذرّة، من إنسانيّة منزّهة عن «النهب والاستغلال والاستكبار و…»؟. ولم يكن ينقص هؤلاء العرب سوى أن يظهر بعض أصحاب الحسد الفرنسيّ الشهير، الذي يرقى إلى تقليد، فيتحدّثون عن «احتلال أميركيّ لهايتي»! ها لقد وجدناها!
تعليق آخر عمّمته أقلامنا وأصواتنا: إنّها غزّة ومأساة غزّة. إذ كيف يمكن من لم يتعاطف مع غزّة أن يكون صادقاً في تعاطفه مع هايتي؟ والتعاطف مع مأساة غزّة ضدّ الإسرائيليّين والدمار الذي أنزلوه بها شعور إنسانيّ وواجب مؤكّد، لكنّ السؤال الفعليّ هو: كيف يمكن من لم يشارك في الاحتجاج على صواريخ «حماس» الجالبة للتدمير أن يكون صادقاً في تعاطف (غير موظّف سياسيّاً) مع غزّة؟. وهذا ناهيك عن أنّ المقارنة جملة وتفصيلاً لا تشجّع أحداً على المقارنة بنا: فلا هايتي كانت في حرب مع أميركا، ولا أميركا من قام بتدمير هايتي.
والواقع أنّ تشابيه كهذه ما كان لها أن تنشأ أصلاً لولا ولعنا العميق بأن نكون وحدنا الضحايا، الضحايا الأبديّين والضحايا المطلقين، بحيث يغدو على من تصيبه مأساة أن يخاف المأساة ويخاف ألسنتنا وأقلامنا في الوقت عينه.
وهذا ليس دفاعاً عن أميركا، بل دفاع عن العقل، عقلنا، وعن انتسابنا إلى عالم نعرف موقع أميركا والغرب فيه كلّما بحثنا عن فرصة عمل أو فرصة علم، ولا نخاف، في سرّنا، شيئاً كما نخاف أن تتركنا أميركا والغرب وحدنا ولشأننا. فإذا ما اعتبرنا أنّ العلم والعمل والآلة أمور غير مهمّة، لم تبق لنا إلاّ أهميّتنا التي تنقلها لغة لا يفهمنا إلاّنا، فيصير الأقلّ فهماً هو الأكثر فهماً بالتعريف.




















