بعد ضبط الإعلام المرئي والمقروء والمسموع
عمان – من عمر عساف:
أزمة جديدة تخوضها الحكومة الأردنية مع الإعلام الأردني، بعدما ظنت أنها ضبطت العلاقات بينهما بإصدارها الشهر الماضي مدونة سلوك للتعامل معه.
الأزمة الجديدة هذه المرة مع قطاع أقل ما يمكن أن يوصف به أنه "شرس" وهو "الإعلام الإلكتروني" المشاغب، الذي أظهرت تطورات الأزمة وتداعياتها أن إخضاعه ليس بتلك السهولة المتوقعة.
والصراع بين الحكومة والمواقع الالكترونية لم يبدأ أخيرا، بل يرجع الى ما قبل ثلاثة اعوام عندما حاولت أن تخضعه، بلا جدوى، لقانون المطبوعات والنشر (الذي يضبط إيقاع الإعلام الأردني).
فبعدما عجزت الحكومات المتعاقبة عن إخضاع هذه المواقع، التي تكاثرت حتى وصل عددها الى 104، بما تحمله من مناكفات يومية للحكومة، ومشاغبات، وإحراجات في احيان كثيرة، من دون أن تتمكن من ضبطها، وجدت منفذا لها باستصدار حكم قضائي من محكمة التمييز (النقض)، وهي أعلى سلطة قضائية في الدولة، وتكتسب قراراتها قوة القانون.
حبكة الحكومة
الحكومة اهتدت إلى مخرج من طريق إحياء قضيتين رفعهما ناشر على موقعين إلكترونيين قبل ثلاث سنوات، وقضت فيهما محكمتا الصلح والاستئناف لمصلحة الموقعين، استنادا إلى أن المواقع الإلكترونية غير خاضعة لقانوني المطبوعات والنشر والتعاملات الإلكترونية. واكتسب الحكمان الدرجة القطعية بحيث لا يمكن الطعن فيهما.
لكن وزير العدل أيمن عودة اهتدى هو الآخر في منتصف تشرين الأول الماضي إلى نص استثنائي يجيز له، وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، الطعن في القرارين "للصالح العام"، وقدم طعنا بواسطة النائب العام يسأل فيه ما إذا كانت المواقع الالكترونية تخضع للقانون أم لا، وهو ما أفادت به إيجابا محكمة التمييز الأسبوع الماضي.
رد الفعل الإلكتروني
المواقع الإلكترونية لم تستطع أن تجادل كثيرا في قرار محكمة التمييز، الذي لا يمكن الطعن به إلا من وزير العدل فحسب، مع أن بعضها تسلح بآراء قانونيين. وكانت أبرز حجة أن القرار، حتى يكتسب قوة القانون، يجب "أن يصدر عن جميع أعضاء محكمة التمييز وليس واحدة من هيئاته" وهي تاليا "غير ملزمة للقضاة في حال النظر في قضايا ضد المواقع الالكترونية".
لذلك، وبعدما أسقط في أيديهم، بدأ الكثير من هذه المواقع يصب غضبه على الحكومة وخصوصا وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال نبيل الشريف.
ونال مجلس نقابة الصحافيين من هذا الغضب جانباً، متهمة إياه بأنه "لم ينبر للدفاع" عنها.
واتهم مؤسس موقع "وكالة عمون الإخبارية" سمير الحياري، الحكومة ووزيري العدل والإعلام تحديدا "بأنهم وراء هذه القضية" بهدف "تقييد هذه المواقع وتخفيف شدة الانتقاد الموجه إلى الحكومة، والذي لا تستطيع الصحافة اليومية توجيهه إليها". وحمّل المسؤولية "لوزير الإعلام الذي وزع القرار على الصحف المحلية لتنشره"، مستغربا أن يصدر مثل هذا السلوك من شخص "قضى زمنا رئيسا لتحرير صحيفة يومية" هي "الدستور". وانتقد كذلك دور النقابة الذي وصفه بـ"المؤسف… إذ يفترض فيها أن تدافع عن الحريات الصحافية لا أن تهادن الحكومة وتغض الطرف عن هذا الوضع".
هذه الانتقادات التي ملأت فضاء المواقع الإخبارية الإلكترونية، وما حمله بعضها من تخوف على مستقبل الإعلام الأردني بمجمله، كانت الحكومة تتوقعه، غير أن ما لم تكن تتحسب له هو تزايد شراسة هجمة المواقع إلى درجة تهديدها بمزيد من التصعيد. فقد اجتمع ناشرو ومحررو عدد منها قبل 10 أيام، وأصدروا بيانا "شديد اللهجة" هددوا فيه بإصدار "قائمة سوداء" بأسماء من وصفوهم بـ"أعداء الصحافة"، إلى "الاحتجاب عن الصدور".
وحملت القائمة، التي لم تعلن، أسماء "رفيعة"، وفق وصف ناشر موقع "السوسنة" طايل الضامن، في الحكومة وغيرها من أجهزة الدولة.
هذا التهديد، وفق الضامن، أتى أكله، إذ جاء رد فعل الحكومة على البيان سريعا، عبر المستشار السياسي لرئيسها سميح المعايطة، الذي أبلغهم أن الحكومة "ليست معنية بفتح مواجهة مع الصحافة الإلكترونية ولا تفكر بإصدار القانون" الذي أذيع أنها تعده استنادا إلى فتوى "التمييز".
"سحر" واشنطن
لم تقف الأمور عند المواجهة مع المواقع فحسب، إذ وجدت الحكومة نفسها في مواجهة الإدارة الأميركية، التي بعدما ألقت وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون خطابها المتعلق بحرية الانترنت في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، أرسلت نائبة مساعدها لشؤون الشرق الأوسط الدكتورة تمارا ويتس، لتلتقي مسؤولين حكوميين وناشري ورؤساء تحرير أبرز ستة مواقع الكترونية.
ويقول الضامن، الذي كان بين من حضروا اللقاء في مبنى السفارة الأميركية في عمان، ان ويتس أكدت رفض الإدارة الأميركية لأي قيود على حرية الإعلام الإلكتروني، موضحة أنها أبلغت الى مسؤولين حكوميين هذا الرفض.
كما أبلغت مسؤولي المواقع الإلكترونية اقتناعها بأن الأردن "سيلتزم المعايير التي وردت في خطاب الوزيرة كلينتون" عن حرية الإنترنت.
وعلى رغم توضيح الضامن لـ"النهار" أن لقاءهم ويتس جاء بناء على "دعوة لحوار صحافي معها حول خطاب كلينتون"، إلا أنه رأى أن "ابلاغها الحكومة رفض إدارتها التدخل في حرية الإعلام الالكتروني" يعد تدخلاً في السيادة الأردنية كان يفترض في الحكومة أن ترفضه وتعلن موقفها الواضح ضده، وهو ما لم تفعله"، وهو ما دفع ويتس الى القول إن "التحول الديموقراطي لا يمكن فرضه من الخارج ولا يأتي على شكل املاءات من أميركا أو غيرها، إنما هو ناتج من جهود من هم ضمن مجتمع الدولة".
وإذ أقر بأن تدخل الادارة الأميركية "ساهم في منع الحكومة من اتخاذ إجراءات كنا نتوقعها"، إلا أنه شدد على أن هذا التدخل "لاقى رفضا من جانبنا وهو ما أبلغناه الى ويتس خلال اللقاء" الذي حضره سفير واشنطن لدى عمان.
وعلى رغم توقع الإعلاميين ألا تلجأ الحكومة "في الوقت الراهن" إلى اتخاذ خطوات تصعيدية ضد المواقع الالكترونية، يتساءل هؤلاء: "كيف بمقدور حكومة في العالم أن تسيطر على الفضاء؟".
"النهار"




















